ولكن إذا كان من المقنع أن يجبّ الإكراه الفواحش ، كالزنا والكفر ، فإنّ أمامنا مجالا لنتساءل : لما ذا هذا التّغيير المفاجىء في الموقف ، الّذي يسلم للإكراه المادي ، أو العضوي بما رفض التّسليم به للطبيعة النّفسانية؟
علام إذن يعتمد هذا؟ .. وهل نحن أكثر سيطرة على حالات أنفسنا من سيطرتنا على قوانا المادية؟. أو ليس العكس أكثر إحتمالا؟ ألا يتطلب تقويم الطّبع ، والسّيطرة على الهوى جهدا لدى الغالبية من النّاس أكبر مما يتطلب تحمل الجوع ، والألم؟. هذا فرض أوّل ينبغي إستبعاده.
وكذلك فإنّ أحدا لا يستطيع مطلقا أن يفسر عدم المسئولية عن هذه الأعمال بسبب طبيعتها اللاإرادية ، الّتي تجعلنا نفترض فيها إكراها مطلقا ، يضع الفاعل في حالة إستحالة مادية لا تمكنه من أن يختار إتجاها آخر غير الّذي يحمل عليه ، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان للرحمة الّتي تتحدث عنها النّصوص معنى : فلا يغفر لأحد عمل لم يرتكبه هو ، وإنّما أرتكبه رجل آخر ، مستخدما جسم الأوّل على أنّه آلة ، والحقيقة أنّ الأمر على عكس ذلك تماما : فإذا لم يكن الفعل قد حدث بموافقة الفاعل ، ولا لمجرد المتعة في مخالفة القاعدة ، فإنّه بالرغم من ذلك فعل إرادي ، ومقصود.
والعقبة الّتي نصادفها ، هيهات أن تخمد إنتباهنا الأخلاقي ، بل هي توقظ تفكيرنا ، وتنشط إدراكنا ، وكلّ ما في الأمر أنّها حين ترينا النّتائج الشّاقة الّتي تنتظرنا على طريق الواجب تحيد بنا لنتحاشى الخطر.
وإنّا لنعتقد أننا نلمس هنا التّفسير الحقيقي.
فإنّ التّفرقة بين مقاومة الأهواء ، وبين المنع النّاشىء عن التّهديد بالإكراه
