بالنسبة لما ألفنا من عادات ، واستعدادات ، ويبدو الحل الآخر مردودا بنفس الوسائل ، ولكنه ليس بأقل منه في نظر العقل ، وهو بذلك يعتبر عائقا بالنسبة إلى الأوّل ، يحول بينه وبين أن يتحول تلقائيا إلى حيز الفعل.
بيد أنّ المسافة الّتي تفصل حدث الإرادة عن أحداث الضّمير الأخرى ، تتميز بإختلاف طبيعتها بخاصة ، فبين هذه الأحداث وحدث الإرادة تنافر أساسي ، وإنقطاع للإستمرار ، فالمرء لا ينتقل من هذه الحالات إلى هذا الفعل ، على سواء. فمن فكرة معينة تولد طبيعيا نتيجة ، ومن اتجاه رغبة ، ومن عاطفة حالة للنفس مناسبة ، ومن خليط هذه كلّها ، أو من إندماجها يولد حدث مركب ، ليس هو الإرادة ـ بعد ، وإنّ أقرب الحالات إلى الإرادة هي الرّغبة ، ولكن ، «من الرّغبة إلى الإرادة توجد كلّ المسافة الّتي تفصل الدّعوة عن الإستجابة».
إنّ الإرادة ليس معناها أن نصوغ «طلبا» بل أن نصدر «مرسوما» ، إنّها لا تعني أن نمد يد سائل ، بل هي التّقدم بخطوة فاتح ، والإرادة ليست «إمتدادا» لسلسلة في سلسلة معطاة ، بل هي «بدء» سلسلة أخرى ينبغي أن تعطى. والواقع أنّ للسببية الإنسانية طابعها الخاص الّذي لا يؤول إلى غيره. فقبل أن ترتضي الإرادة دافعا معينا ، أو حافزا ، تخلع عليهما أوّلا نوعا من التّلوين ، وتحولهما إلى صيغة عقلية ، حين تلصق عليهما هذا العنوان : «إنّي أعتنق هذا المبدأ كقاعدة سلوك».
وحاشانا أن نقلل من أهمية نوازعنا العميقة ، وعواطفنا القوية ، وأفكارنا الواضحة ـ في صوغ أحكامنا ، فذهننا يقترح علينا حلا معينا ، وإحساسنا يستحثنا إلى آخر. وربما كان يكمن في الغضون الخفية لضميرنا سبب يوجهنا
