أمّا فيما يتعلق بالتعارض المنهجي الّذي جعلوه بين العمل الّذي يتم «بحسن نيّة» ، والآخر الّذي يتم «بغير قصد» ، فهذا التّعارض صحيح إذا كان يراد بكلمة غير المقصود ما لا تتجه إليه الإرادة مطلقا ، كليّا ، أو جزئيا. ولكن التّعارض لن يكون ذا موضوع إذا كان المراد القول ـ على العكس ـ بأنّ (الخطأ) هو ما ليس مقصودا أخلاقيا على وجه الكمال ، ذلك أنّ العمل الّذي يتم بحسن نيّة حينئذ لن يكون سوى حالة خاصة من العمل غير المقصود (الخطأ) بعامة. وهذه الخاصة الّتي لا تنشىء سوى فرق في الدّرجة بينه وبين العمل اللاإرادي ، المحض ـ ما كان لها أن تعدل شيئا من صفته البريئة ، ومن ثمّ ـ غير المسئولة.
وإذن ، فإذا أردنا أن نصوغ الشّرط الثّالث للمسئولية الأخلاقية قلنا : إنّ العمل المنوط بالمسئولية هو العمل الّذي يكون القصد إليه كاملا ، أعني : أنّه العمل الّذي تهدف فيه الإرادة ، لا إلى الصّفات الطّبيعية لموضوعه فحسب ، وإنّما كذلك إلى صفاته الأخلاقية على نحو ما أدركها المشرع. ويجب أن يكون العمل متصورا لدى فاعله على النّحو الّذي أجيز به ، أو حرّم ، أو أمر به ، ومن حيث هو كذلك. وأي اختلاف في الرّأي ، أو إنحراف في القصد ، في صفة أو أخرى ، يخرج العمل من دائرة الملاحقة بنصّ الشّرع ، لأنّه إذا كان العمل الّذي تقرر حكمه في الشّرع غير العمل الّذي وقع ـ لم يكن لهذا الّذي وقع أن يكون له إذن نفس الحكم ، فهو في إفتراضنا حدث حتمه خطأ لا إداري.
وعليه ، فحين نؤكد أنّ خطأ من هذا القبيل لا يمكن أن يكون محسوبا فلسنا نفعل سوى تفسير القول العام الّذي جاء به القرآن نفسه ، حين يعلن : (وَلَيْسَ
