التّفسير الأفضل الّذي تمسك به دائما هو الّذي يحدد هذا النّوع من الأيمان على أنّه : (حلف الإنسان على الشّيء يستيقن أنّه كذلك ، ثمّ يوجد على غير ذلك ، فهو اللغو) (١).
ولسنا نريد أن نختار أحد هذين التّعريفين ، فنحن نعتبرهما كليهما ـ حالتين خاصتين ، في نطاق القانون العام لعدم المسئولية ، ولو أننا قابلناهما بالنصّ لوجدنا أنّ التّعريف الأوّل يتفق بصورة أفضل مع آية سورة المائدة ، حيث توضع الأيمان الحقيقة في مقابل الأيمان المؤكدة : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) (٢) ، على حين أنّها في سورة البقرة تقابل الأيمان الّتي ينشيء الحنث فيها ضررا متعمدا : (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (٣). وهكذا ينتج من مجموع النّصين أنّ العمل «الإرادي» ، الّذي «أنعقدت عليه النّيّة» وحده هو الّذي يستتبع مسئوليتنا.
بيد أنّ هذه الصّفة الثّانية تستحق أن نركز عليها ، ونحددها أكثر. ذلك أنّ هناك ضربا من الخطأ ، لا ينصب على موضوع نشاطنا ، بل على قيمته ، ومغزاه الأخلاقي ، فقد يخطىء المرء ، لا في العمل الّذي يؤديه ، بل في نظامه ، أعني في علاقته بالقانون ، فخطئي ليس ناشئا عن الجهل ، لأنّي مدرك لموقفي مدرك في الوقت نفسه للمبدأ الّذي كان من الواجب أن يخضع له هذا الموقف ، وكلّ ما في
__________________
(١) انظر الموطأ للإمام مالك : ٢ / ٤٧٧ ح ٩ ، وقد أثبت أراء أخرى لكلّ من ابن عباس ، ومالك. (المعرب). تفسير القرطبي : ٣ / ١٠٠ ، وانظر ، في المشكلة كلّها تفسير البحر المحيط : ٢ / ١٧٩.
(٢) المائدة : ٨٩.
(٣) البقرة : ٢٢٥.
