يغضبنا.
ولنعترف بأنّ هناك رباطا طبيعيا بين هذين الحكمين ، ولكن هذا لا يمنع من أن نحدث هنا تفرقة هامة : فإنّ حكمنا التّقديري نفسه هو واقع ملحوظ ، حدث نفساني ينبع من التّجربة بما أنّه يقع تحت ملاحظتنا الباطنة ، ولكن ما ينصب عليه هذا الحكم هو «قيمة» تستعصي بموجب تحديدها على كلّ تجربة ، وتتجاوزها لا نهائيا.
فالتجربة لا تفعل ـ إن صح هذا التّعبير ـ أكثر من إمتياح بئر «القيمة» نقطة بعد نقطة ، مع هذا الشّعور الغريب بملامحها الخاصة ، وبأنّها معين لا ينضب.
والقيمة ذات طابع مطلق ، فهي ليست مسجلة في الزّمان ، مع أنّ عنصر الزّمان يمكن أن يوحي بها ، فلا يصح إذن أن نلجأ في حلّ لغزها إلى ما هو وقتي.
ولسوف يتضاءل دور التّجربة أيضا فيما يختص بالمستقبل ، الّذي هو المجال الوحيد للعمل الأخلاقي ، (فهذا العمل ليس من باب ما هو كائن ، بل من باب ما ينبغي أن يكون ، ومن المستحيل ـ من ناحية أخرى ـ أن نقرر عمل بعض الأشياء في الماضي ، أو في نفس اللحظة الّتي يتم فيها إتخاذ القرار).
فمما لا حاجة إلى ذكره إبتداء : أنّ التّجربة بمعناها الصّرف ليست هي الّتي تبيح لي أن أستخلص أنّ الأشياء إذا ما كانت قد حدثت حتّى الآن بطريقة ، أو بأخرى ـ سوف تحدث غدا ، ودائما بنفس الطّريقة.
فهذا الإستقراء يجد أساسه المنطقي في إعتقادنا بثبات الطّبيعة ، والأمر كذلك بالنسبة إلى قانون الأعداد الكبيرة ، الّذي يجب أن يفترض عدم تدخل الأسباب الجديدة ، القادرة على خلخلة المعدل المتوسط لحسابنا.
