والتسخيرات ، وغير ذلك من التمويهات الواقعة بين العلويّة والسفليّة ، مع أنّ كثيرا من أنواع خرق العادات يشارك فيها الإنسان غيره فان الجن والشياطين قادرون على الاطلاع بالضماير وعلى الخفاء عن الأبصار وعلى التمثّل في صور كثيرة ، وعلى طيّ الأرض وعلى دخول الدار من الجدار وعلى التصرف والوسوسة في الصدور ، بل الطيور وكثير من الحيوانات يتمكّن من كثير من الخوارق بالنسبة إلى الإنسان وإن لم تكن خارقة بالنسبة إليها.
بل في «الفتوحات» (١) ، أنه سئل أبو يزيد من طيّ الأرض فقال ليس بشيء فإنّ إبليس يقطع من المشرق إلى المغرب في اللحظة الواحدة ، وما هو عند الله بمكان.
وسئل عن اختراق الهواء فقال : إن الطير يخترق الهواء والمؤمن عند الله أفضل من الطير ، فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر ، وهكذا في غيره ، ثم قال : إلهي إنّ قوما طلبوك لما ذكروه فشغلتهم به وأهّلتهم له اللهم مهما أهّلتني لشيء فأهّلني لشيء من أشيائك يقول من أسرارك ، فما طلب إلّا العلم.
ثم هذا كلّه في المكاشفات الصادقة ، والكرامات الواقعة الحقّة ، وأمّا المكائد والخدع ، والتمويهات والحيل ، والأخذ على العيون ، وغير ذلك مما لا أصل له فلا ينبغي التكلّم فيه رأسا.
وأمّا المكاشفات المعنوية ، والإشراقات العلمية ، والتجلّيات الحقيقية فهي وان ادّعاها كثير من الناس إلّا أنّ أكثرهم عن السمع لمعزولون ، ألم تر أنّهم في كل واد يهيمون ، وأنّهم يقولون ما لا يعلمون.
__________________
(١) الفتوحات المكية في معرفة أسرار المالكية والملكية مجلدات للشيخ محيي الدين محمّد بن علي المعروف بابن عربي الطائي المالكي المتوفى سنة ٦٣٨ ، من أعظم كتبه وآخرها تأليفا.
![تفسير الصراط المستقيم [ ج ١ ] تفسير الصراط المستقيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4045_tafsir-alsirat-almustaqim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
