كانت مخلوقة في حضرة المشيّة الّتي هو النور المحمّدي ، وهو أوّل من قرع باب الوجود قبل كلّ موجود ، فهو الشاهد وهو المشهود ، فالقرآن العظيم إذا تحقّق في مقام الحكمة ظهر منه المجد والشرف والخير والبركة.
وفي الخبر : إنّ المجد هو حمل المغارم وإيتاء المكارم (١) ولا ريب أنّ القرآن يجبر النقصانات الإمكانيّة ويعطي الفيوض الربّانيّة ، وبه تنال الشفاعة الكليّة كما في الأخبار المتقدّمة فمن تمسّك بشيء منه في الدنيا كان له في القيامة شفيعا مشفّعا وطريقا اليه مهيعا (٢) إلّا أنّ ظهوره في هذا العالم بالشرف إنّما هو باشتماله على البيانات الواضحة والأنوار الساطعة اللائحة فإنّه كان في مقامه ودرجته عظيما معظّما وشريفا مفخّما لكنّه بعد ما كان في زبر الأوّلين قد نزل به الرّوح الأمين على قلب خاتم النبيين ليكون به من المنذرين بلسان عربيّ مبين فهذه المراتب المفصّلة كالأركان الأربعة لظهوره وتجلّى نوره ولعلّه أشرف أسمائه ولذا عبّر عنه فيه به بعدد قوي اسم الله العظيم الأعظم وهو ستة وستّون فافهم.
ومنها الفرقان بالضم مصدر فرق بمعنى الفاعل قال في القاموس : فرق بينهما فرقا وفرقانا بالضم فصل (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (٣) أي يقضي (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ) (٤) أي فصّلناه وأحكمناه (وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ) (٥) فلقناه (فَالْفارِقاتِ فَرْقاً) (٦) الملئكة تنزل بالفرق بين الحقّ والباطل.
__________________
(١) قال الطريحي في مجمع البحرين ص ٢١٦ في لغة مجد : والمجد الكرم والعز وفي الحديث المجد حمل المغارم وإيتاء المكارم.
(٢) المهيع بفتح الميم والياء وسكون الهاء جمع : مهايع ، الطريق الواسع البين.
(٣) الدخان : ٤.
(٤) الإسراء : ١٠٦.
(٥) البقرة : ٥٠.
(٦) المرسلات : ٤.
![تفسير الصراط المستقيم [ ج ١ ] تفسير الصراط المستقيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4045_tafsir-alsirat-almustaqim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
