فينزع في الآخرة ما كان في قلوبهم من غش بعضهم لبعض في الدنيا من العداوة والقتل الذي كان بعد رسول الله صلىاللهعليهوسلم والأمر الذي اختلفوا فيه ، فيدخلون الجنة ؛ هذا ـ والله أعلم ـ لأن الذي كان بينهم من الاختلاف والقتال كان دنيويّا لم يكن ؛ بسبب الدين ، فذلك يرتفع في الآخرة ويزول ، وأما العداوة التي هي بيننا وبين الكفرة : فهي لا تزول أبدا في الدنيا والآخرة ؛ لأنها عداوة الدين والمذهب ، فذلك لا يرتفع أبدا.
ويشبه أن يكون قوله : (وَنَزَعْنا) على ابتداء النزع ، لا على أن كانوا فيه ؛ كقوله ـ تعالى ـ : (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) [البقرة : ٢٥٧] على ابتداء (١) : المنع ، أي : لو لا إخراجه إياهم من ذلك ، وإلا كانوا فيه ؛ فعلى ذلك قوله : (وَنَزَعْنا) أي : لم نجعل في قلوبهم الغل رأسا ، ولو تركهم على ما هم عليه لكان فيهم ذلك.
وفيه دلالة أن لله في فعل العباد صنعا ؛ لأن الغش [والغل](٢) من فعل العباد يذمون على ذلك. ثم أخبر أنه نزع ذلك من قلوبهم ، واستأدى منهم الشكر بذلك بقوله :
(وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا .....) الآية.
وقد ذمّ من طلب الحمد على ما [لم](٣) يفعل ؛ فدل (٤) طلب الحمد منهم على أن له فيه صنعا ؛ بذلك طلب منهم الحمد ، والله الموفق.
وقوله ـ عزوجل ـ : (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ).
ذكر هذا ـ والله أعلم ـ لما علم عزوجل من طباع الخلق الرغبة في هذه الأنهار الجارية في الدنيا ، فيما يقع عليها الأبصار ، فرغبهم في الآخرة بما كانت طباعهم وأنفسهم تميل إلى ذلك في الدنيا ؛ ليرغبوا فيما أمر وينتهوا عما نهى ، وكذلك جميع ما ذكر في القرآن من القصور (٥) والخيام (٦) والجواري (٧) والغلمان (٨) والأكواب (٩) والأباريق (١٠) ، وغير ذلك مما ترغب طباع الخلق في ذلك في الدنيا وتميل أنفسهم
__________________
(١) في أ : الابتداء.
(٢) سقط في أ.
(٣) سقط في أ.
(٤) في ب : فدلت.
(٥) كما في قوله تعالى : (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ) [الرحمن : ٧٢].
(٦) كما في قوله تعالى : (حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ).
(٧) كما في قوله تعالى : فى الآية السابقة.
(٨) كما في قوله تعالى : (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) [الطور : ٢٤].
(٩) كما في قوله تعالى : (يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ) [الزخرف : ٤١]. وقوله تعالى : (بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) [الواقعة : ١٨].
(١٠) كما في قوله تعالى : (بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ) [الواقعة : ١٨].
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
