وقوله : (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) اختلف فيه.
قيل (١) : (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ) : ما تضمرون في القلوب (وَجَهْرَكُمْ) : ما تنطقون ، (وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ) : من الأفعال التي عملت الجوارح ؛ أخبر أنه يعلم ذلك كله ؛ ليعلموا أن ذلك كله يحصيه (٢) ليحاسبهم على ذلك ؛ كقوله : (وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ) [البقرة : ٢٨٤] أخبر أنه يحاسبهم بما أبدوه وما أخفوه ، فعلى ذلك الأول قد أفاد أن (٣) ذلك كله يحصيه (٤) عليهم ، ويحاسبهم في ذلك ؛ ليكونوا على حذر من ذلك وخوف. وقيل : (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ) : ما خلق فيهم من الأسرار ، من نحو السمع ، والبصر وغيرهما ؛ لأن البشر لا يعرفون ماهية (٥) هذه الأشياء وكيفيتها ، ولا يرون ذلك كما يرون غيرها من الأشياء ، ولا يعرفون حقائقها ؛ أخبر أنه يعلم ذلك وأنتم لا تعلمون.
وقوله ـ عزوجل ـ : (وَجَهْرَكُمْ) أي : الظواهر منكم ، (وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ) : من الأفعال والأقوال.
__________________
(١) قال الرازي في تفسيره (١٢ / ١٢٩) المراد بالسر : صفات القلوب ، وهي الدواعي والصوارف ، والمراد بالجهر أعمال الجوارح ... فالداعية التي هي من باب السر هي المؤثرة في أعمال الجوارح المسماة بالجهرة ، ونقله عنه أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (٤ / ٧٨).
(٢) في أ : يحصيها.
(٣) في أ : إخبار.
(٤) في ب : نحصيه.
(٥) الماهية : مشتقة من (ما هو) وهي ما به يجاب عن السؤال ب (ما هو). تطلق غالبا على الأمر المنفعل من الإنسان ، وهي أعم من الحقيقة ؛ لأن الحقيقة لا تستعمل إلا في الموجودات. يقال : إن للموجودات حقائق ومفهومات.
والماهية تستعمل في الموجودات والمعدومات. يقال للمعدومات مفهومات لا حقائق ، وتطلق الماهية والحقيقة على الصورة المعقول ، وكذا على الوجود العيني.
وتعريفها المشهور ـ وهو أنها ماهية الشيء ـ غير مرضي ؛ إذ لا يصح أن يقال : إن الشيء الذي بسببه يكون الإنسان إنسانا هو ماهية الإنسان ، فماهية الإنسان شيء هو سبب الإنسان ، أو شيء سبب كون الإنسان إنسانا ، وأيضا الشيء الذي يكون زيد به زيدا هو الإنسان مع تشخص ، فإن كان هذا ماهية زيد لا يصح قولهم : إن النوع تمام ماهية أشخاصه والحق أن ماهية الشيء تمام ما يحمل على الشيء حمل مواطأة من غير أن يكون تابعا لمحمول آخر فإن الإنسان يحمل عليه الموجود والكاتب والضاحك وعريض الظفر ومنتصب القامة والجسم النامي والحساس والمتحرك بالإرادة والناطق نطقا عقليّا إلى غير ذلك ، فيجمع جميع ما يحمل عليه ؛ ثم ينظر في الأمور اللازمة ؛ إذ المفارقة ليست من الماهية ، فكل ما يحمل عليه بتبعية شيء آخر كالضاحك فإنه يحمل عليه بتبعية أنه متعجب ، ثم يحمل عليه بتبعية أنه ذو نطق عقلي ، فبالضرورة ينتهي إلى أمر لا يكون حمله عليه بتبعية أمر آخر ؛ لئلا تتساوى المحمولات ، فذلك الأمر المحمول بلا واسطة هو الماهية.
قلت : والمراد بها هنا حقائق الأشياء والله أعلم. ينظر التعريفات للجرجاني ص (٢٠٥).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٤ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3970_tawilat-ahl-alsunna-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
