(تَظاهَرا) أى : تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر ، وتأييده إياه ، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود في عيد لهم ، فسألوهم عن شأنه صلىاللهعليهوسلم فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود. قالوا ذلك.
وقرأ الأكثرون قالوا ساحران تظاهرا وأرادوا بهما محمد وموسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ (١).
ثم أمر الله ـ تعالى ـ رسوله صلىاللهعليهوسلم أن يتحداهم ، وأن يفحمهم بما يخرس ألسنتهم فقال : (قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ).
أى : قل ـ أيها الرسول الكريم ـ لهؤلاء الجاحدين : لقد أنزل الله ـ تعالى ـ على موسى التوراة. وأنزل القرآن على ، وأنا مؤمن بهما كل الإيمان ، فإن كنتم أنتم مصرون على كفركم (فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، هُوَ أَهْدى مِنْهُما) أى هو أوضح منهما وأبين في الإرشاد إلى الطريق المستقيم.
وقوله (أَتَّبِعْهُ) مجزوم في جواب الأمر المحذوف ، أى : إن تأتوا به أتبعه .. (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) في زعمكم أن القرآن والتوراة نوع من السحر.
فالآية الكريمة تتهكم بهم ، وتسخر منهم ، بأسلوب بديع معجز ، لأنه من المعروف لكل عاقل أنهم ليس في استطاعتهم ـ ولا في استطاعة غيرهم ـ أن يأتوا بكتاب. أهدى من الكتابين اللذين أنزلهما ـ سبحانه ـ على نبيين كريمين من أنبيائه ، هما موسى ومحمد ـ عليهما الصلاة والسلام ـ.
ولذا قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وهذا الشرط يأتى به المدل بالأمر المتحقق لصحته ، لأن امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين. أمر معلوم متحقق. لا مجال فيه للشك ، ويجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم بهم (٢).
وقوله ـ سبحانه ـ : (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ) زيادة في تثبيت قلب النبي صلىاللهعليهوسلم وتسليته عما أصابه منهم من أذى.
أى : فإن لم يفعلوا ما تحديتهم به ، من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين.
(فَاعْلَمْ) ـ أيها الرسول الكريم ـ (أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ) الباطلة ، وشهواتهم الزائفة ، عند ما يجادلونك في شئون دعوتك.
__________________
(١) تفسير الآلوسى ح ٢٠ ص ٩١.
(٢) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٢٠.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ١٠ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3950_altafsir-alwasit-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
