وتسبيح الجبال والطير مع داود ـ عليهالسلام ـ هو تسبيح حقيقى ، ولكن بكيفية يعلمها الله ـ تعالى ـ كما قال ـ سبحانه ـ (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..) (١).
وشبيه بالآية التي معنا قوله ـ تعالى ـ : (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (٢).
وقوله ـ سبحانه ـ : (اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ* إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ* وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (٣).
ثم ختم ـ سبحانه ـ الآية الكريمة بقوله : (وَكُنَّا فاعِلِينَ) أى : وكنا فاعلين ذلك لداود من تسخير الجبال والطير معه يسبحن الله وينزهنه عن كل سوء ، على سبيل التكريم له. والتأييد لنبوته ، إذ أن قدرتنا لا يعجزها شيء ، سواء أكان هذا الشيء مألوفا للناس أم غير مألوف.
وقوله ـ تعالى ـ : (وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) بيان لنعمة أخرى من النعم التي أنعم الله بها على داود.
واللبوس : كل ما يلبس كاللباس والملبس : والمراد به هنا : الدروع.
أى : وبجانب ما منحنا داود من فضائل ، فقد علمناه من لدنا صناعة الدروع بحذق وإتقان ، وهذه الصناعة التي علمناه إياها بمهارة وجودة (لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ).
أى : لتجعلكم في حرز ومأمن من الإصابة بآلة الحرب. وتقى بعضكم من بأس بعض ، لأن الدرع تقى صاحبها من ضربات السيوف ، وطعنات الرماح.
يقال : أحصن فلان فلانا ، إذا جعله في حرز وفي مكان منيع من العدوان عليه.
والاستفهام في قوله : (فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ) للحض والأمر أى : فاشكروا الله ـ تعالى ـ على هذه النعم ، بأن تستعملوها في طاعته ـ سبحانه ـ.
قال القرطبي ـ رحمهالله ـ : «وهذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب ، وهو قول أهل العقول والألباب. لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء ، فالسبب سنة الله في خلقه ، فمن طعن في ذلك فقط طعن في الكتاب والسنة ، وقد أخبر الله ـ تعالى ـ عن نبيه داود أنه كان يصنع الدروع ، وكان ـ أيضا ـ يصنع الخوص ، وكان يأكل من عمل
__________________
(١) سورة الإسراء الآية ٤٤.
(٢) سورة سبأ الآية ١٠.
(٣) سورة ص الآيات ١٧ ـ ١٩.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ٩ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3947_altafsir-alwasit-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
