أى : فنسي آدم عهدنا ، ولم نجد له ثبات قدم في الأمور ، يجعله يصبر على عدم الأكل من الشجرة بل لانت عريكته وفترت همته بسبب خديعة الشيطان له.
ثم ذكر ـ سبحانه ـ بعد ذلك بشيء من التفصيل ، الأسباب التي أدت إلى نسيان آدم وضعف عزيمته فقال : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى).
أى : واذكر ـ أيها المخاطب ـ وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تكريم لا سجود عبادة ، فامتثلوا لأمرنا ، إلا إبليس فإنه أبى السجود لآدم تكبرا وغرورا وحسدا له على هذا التكريم.
ثم حكى ـ سبحانه ـ ما قاله لآدم بعد إباء إبليس عن السجود له فقال : (يا آدَمُ إِنَّ هذا) أى : إبليس (عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) بسبب حسده لكما وحقده عليكما (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) أى : فاحذرا أن تطيعاه ، فإن طاعتكما له ستؤدى بكما إلى الخروج من الجنة ، فيترتب على ذلك شقاؤك ، أى : تعبك في الحصول على مطالب حياتك.
وأسند سبحانه إلى إبليس الإخراج لهما من الجنة ، لأنه هو المتسبب في ذلك ، عن طريق الوسوسة لهما ، وطاعتهما له فيما حرضهما عليه وهو الأكل من الشجرة ، وعبر عن التعب في طلب المعيشة بالشقاء ، لأنه بعد خروجه من الجنة سيقوم بحراثة الأرض وفلاحتها وزرعها وريها ... ثم حصدها .. ثم إعداد نتاجها للأكل ، وفي كل ذلك ما فيه من شقاء وكد وتعب.
وقال ـ سبحانه ـ : (فَتَشْقى) ولم يقل فتشقيا كما قال (فَلا يُخْرِجَنَّكُما) لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده : أو لأن شقاء الرجل يدخل فيه شقاء أهله ، كما أن سعادته سعادتهم ، أو لأنه هو الذي يعود عليه التعب إذ هو المكلف بأن يقدم لها ما تحتاجه من مطالب الحياة. كالمسكن والملبس والمطعم والمشرب.
قال القرطبي ما ملخصه : قوله (فَتَشْقى) يعنى أنت وزوجك لأنهما في استواء العلة واحد ، ولم يقل : فتشقيا لأن المعنى معروف ، وآدم ـ عليهالسلام ـ هو المخاطب ، وهو المقصود. وأيضا لما كان هو الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص.
وفي ذلك تعليم لنا أن نفقة الزوجة على الزوج ، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج ، فلما كانت نفقة حواء على آدم ، كانت كذلك نفقات بناتها على بنى آدم بحق الزوجية .. (١).
وقوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها
__________________
(١) تفسير القرطبي ج ١١ ص ٢٥٣.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ٩ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3947_altafsir-alwasit-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
