خطاب له عليه الصلاة والسّلام ، فتكون الجملة معترضة بين قصة المتقدمين ؛ لأن قوله : «قالوا» راجع للمتقدمين. وقرأ الشامي وحفص : (قالَ) أي : النذير : (أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ) أي : أتقتدون بآبائكم ولو جئتكم (بِأَهْدى) ؛ بدين أهدى (مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ) من الضلالة التي ليست من الهداية فى شىء؟ (قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) أي : قالت كلّ أمة لنذيرها : إنا ثابتون على ديننا ، وإن جئتمونا بما هو أهدى وأهدى. وقد أجمل عند الحكاية ؛ للإيجاز ، كقوله : (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ) (١).
(فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ) ؛ فعاقبناهم بما استحقوه على إصرارهم ، (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) من الأمم المذكورين ، فلا تكترث بتكذيب قومك. والله تعالى أعلم.
الإشارة : وقالوا : لو شاء الرّحمن ما عبدناهم ، تمسكوا بالحقيقة الظلمانية ، الخالية عن التشريع ، وهو كفر وزندقة ، ولذلك ردّ الله عليهم بقوله : (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً ...) إلخ ، وترى كثيرا ممن خذله الله يقول : لو أراد الله هدايتى لهدانى ، ولا ينفع ذلك فى هذه الدار ، التي هى التكليف ، بل يجب عليه النّهوض ، والقصد إلى ما أمر الله به ، من حقوق العبودية ، فإن منعته الأقدار فلينظر إلى الواحد القهار ، وإلا فالشقاء لازم له. وقد قالوا : من تحقق ولم يتشرع فقد تزندق ، ومن تشرع ولم يتحقق فقد تفسق ، ومن جمع بينهما فقد تحقق. فالواجب : النظر إلى تصريف الحقيقة فى الباطن ، والتمسك بالشريعة فى الظاهر. وبالله التوفيق.
وقوله تعالى : (بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ ...) الآية ، فيه توبيخ لمن تجمّد على تقليد أسلافه ، وقد ظهر من هو أهدى منهم ، ففيه نزعة جاهلية ، وحمية من حميتهم.
ثم برهن على بطلان التقليد الرّديء ، فقال :
(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠))
__________________
(١) من الآية ٥١ من سورة المؤمنون.
![البحر المديد في تفسير القرآن المجيد [ ج ٥ ] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3836_albahr-almadid-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
