وكان يروي واقعة الطفّ كما حدثت ، فإنّه كان يتولّى خدمة الإمام عليهالسلام من المدينة إلى مكة وإلى أن استشهد الإمام عليهالسلام وفرّ على فرس إلى الكوفة ، فأخذه أهل الكوفة ثمّ أطلقوه ، وكان عارفا بأخبار الواقعة ومنه أخذت أخبارها ، وعلى قوله يعتمد في نقل حوادثها ، ولعلّ عدم استشهاده بين يدي الإمام عليهالسلام كان لمصلحة بقائه حتّى ينقل واقع الأمر فيما قاله الإمام ، قال الطبري : قال أبو مخنف : فأمّا عبد الرحمن بن جندب فحدّثني عن عقبة بن سمعان قال : صحبت حسينا عليهالسلام فخرجت معه من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى العراق ، ولم أفارقه حتّى قتل ، وليس من مخاطبته الناس كلمة بالمدينة ولا بمكّة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلّا وقد سمعتها ، ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس ، وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ، ولا أن يسيّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين ، ولكنه قال : دعوني فلأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير أمر الناس (١).
انظر إلى قول عقبة بن سمعان هذا وتأمّل بدقّة نقله وتأكيده أنّه لم يسمع من الإمامعليهالسلام ما يتذاكر الناس وما يزعمون. يظهر من عبارته هذه أنّ ما نسبوه إلى الإمامعليهالسلام أنّه قال : اختاروا منّي خصالا ثلاثا الخ ... ممّا لا أصل له ، وأنّه خلاف الواقع ، وأنّه من دعايات بني أمية وأكاذيب أتباعهم وأشاعها ابن زياد وأشياعه ، وهم تداولوه في ألسن الناس وأفواههم ، ومن الأفواه أخذه المحدّثون من دون تحقيق وتمحيص ، فإنّ دأبهم في الأغلب هو الأخذ من الأفواه ثمّ الثبت في التاريخ من دون علم بواقع الأمر وحقيقته ومن غير تحقيق عن صحّته وسقمه.
وقد تحقّق عندي وثبت واضحا جليا بعد البحث والتنقيب وإمعان النظر الدقيق بحيث لا يشوبه شيء من الدجل ، أنّ ما نقله أبو مخنف عن جماعة من المحدّثين وضبطه في تاريخه ، ومنه أخذ الطبري ونسبه إلى الإمام عليهالسلام : اختاروا منّي خصالا الخ ... من الأفائك والمفتريات ، وأيقنت بأنّه من الأكاذيب والخزعبلات ، وقد أخذه عن الأفواه
__________________
(١) تاريخ الطبري ، ج ٤ ، ص ٣١٣.
