عليّ لأنفذتها» (١).
وفي هذا العصر ـ أيضا ـ كان ما رواه الأحنف بن قيس قال : أتيت الشام فجمّعت(٢) فاذا رجل لا ينتهي الى سارية إلّا خرّ (٣) أهلها ، يصلي ويخفّ صلاته. قال : فجلست إليه ، فقلت له : يا عبد الله من أنت؟ قال أنا أبو ذرّ ، فقال لي : فأنت من أنت؟ قال : قلت : الأحنف بن قيس. قال : قم عنّي لا أعديك بشّر ، فقلت له : كيف تعديني بشّر ، قال : إنّ هذا ـ يعني معاوية ـ نادى مناديه : «ألّا يجالسني أحد» (٤).
ومن أجل مخالفته لأوامر السلطة ، نفي أبو ذر من بلد إلى بلد حتّى لقي حتفه طريدا فريدا بالربذة سنّة ٣١ ه.
كان هذا في النصف الأوّل من خلافة عثمان ، ولما انتكث أمره في النصف الثاني من خلافته وقام في وجهه أمثال أمّ المؤمنين عائشة ، وطلحة والزبير ، وعمرو بن العاص وغيرهم من الصحابة والتابعين ، لم يبق محظور أمام من أراد رواية سنّة الرسول (ص) من الصحابة ، فنشر في هذا العصر شيء منها ، غير أنّها لم تدوّن على عهد الإمام عليّ (ع).
روى الصحابة على عهده الشيء الكثير من سنّة الرّسول (ص) ممّا كان محظورا عليهم روايتها قبل عهده ، وظهر الاختلاف جليّا في ما رووا من سنّة الرسول (ص) مع اجتهادات الخلفاء الثلاثة ممّا ذكرناه في آخر الفصل الرابع من هذا الكتاب.
هذه أمثلة ممّا كان على عهد الخلفاء الثلاثة من الحظر على الصحابة في نشر أحاديث الرسول (ص) ، غير أنهم جمجموا في الكلام ولم يفصحوا عن السبب كما فعله معاوية على عهده.
على عهد معاوية
روى الطبري أنّ معاوية لمّا استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى
__________________
(١) انما قلنا كان ذلك في عصر عثمان لان أحدا من الصحابة ما كان يجرأ على تحدّي أوامر السلطة على عهد الخليفة عمر ، والرواية في سنن الدارمي ١ / ١٣٢ ، وطبقات ابن سعد ٢ / ٣٥٤ بترجمة أبي ذر واختزلها البخاري وأوردها في باب العلم قبل القول في صحيحه ١ / ١٦١ ، وأجاز على الجريح : أجهز عليه.
(٢) فجمّعت : أي حضرت الصلاة يوم الجمعة.
(٣) لعل الصواب : فر أهلها.
(٤) طبقات ابن سعد ٤ / ١٦٨.
وأبو بحر الأحنف بن قيس التميمي السعدي لقب بالاحنف لحنف كان برجله. أدرك الرسول ولم يره. اعتزل الحرب في الجمل وشهد صفين مع الإمام علي ، وتوفي بالكوفة سنة سبع وستين. روى عنه جميع أصحاب الصحاح. ترجمته بأسد الغابة وتقريب التهذيب.
![معالم المدرستين [ ج ٢ ] معالم المدرستين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3472_maalem-almadrasatin-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
