أحدها : يعلم ضرب المثل ، وأنتم لا تعلمون ذلك ، قاله ابن السّائب. والثاني : يعلم أنه ليس له شريك ، وأنتم لا تعلمون أنه ليس له شريك ، قاله مقاتل. والثالث : يعلم خطأ ما تضربون من الأمثال ، وأنتم لا تعلمون صواب ذلك من خطئه. والرابع : يعلم ما كان ويكون ، وأنتم لا تعلمون قدر عظمته حين أشركتم به ونسبتموه إلى العجز عن بعث خلقه.
(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦))
قوله تعالى : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً) أي : بيّن شبها فيه بيان المقصود ، وفيه قولان :
أحدهما : أنه مثل للمؤمن والكافر. فالذي (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) هو الكافر ، لأنه لا خير عنده ، وصاحب الرّزق هو المؤمن ، لما عنده من الخير ؛ هذا قول ابن عباس ، وقتادة.
والثاني : أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه وللأوثان ، لأنه مالك كلّ شيء ، وهي لا تملك شيئا ، هذا قول مجاهد ، والسّدّيّ.
وذكر في التّفسير أنّ هذا المثل ضرب بقوم كانوا في زمن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، وفيهم قولان :
أحدهما : أنّ المملوك : أبو الجوار ، وصاحب الرّزق الحسن : سيّده هشام بن عمرو ، رواه عكرمة عن ابن عباس. وقال مقاتل : المملوك : أبو الحواجر (١). والثاني : أنّ المملوك : أبو جهل بن هشام ، وصاحب الرّزق الحسن : أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه ، قاله ابن جريج.
فأمّا قوله : (هَلْ يَسْتَوُونَ) ولم يقل : يستويان ، لأنّ المراد : الجنس. وقال ابن الأنباري : لفظ «من» لفظ توحيد ، ومعناها معنى الجمع ، ولم يقع المثل بعبد معيّن ، ومالك معيّن ، لكن عني بهما جماعة عبيد ، وقوم مالكون ، فلمّا فارق من تأويل الجمع ، جمع عائدها لذلك.
وقوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي : هو المستحقّ للحمد ، لأنه المنعم ، ولا نعمة للأصنام ، (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) يعني المشركين (لا يَعْلَمُونَ) أنّ الحمد لله. قال العلماء : وصف أكثرهم بذلك ، والمراد : جميعهم.
قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ) قد فسّرنا «البكم» في سورة البقرة (٢). ومعنى (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) أي : من الكلام ، لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه. (وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ) قال ابن قتيبة : أي : ثقل على وليّه وقرابته. وفيمن أريد بهذا المثل أربعة أقوال (٣) : أحدها : أنه مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ، فالكافر هو الأبكم ، والذي يأمر بالعدل هو المؤمن ، رواه العوفيّ عن ابن
__________________
(١) في «الدر المنثور» ٤ / ٢٣٥ : أبو الجوزاء.
(٢) البقرة عند الآية : ١٨.
(٣) رجح الطبري رحمهالله في «تفسيره» ٧ / ٦٢٤ : القول الثالث.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
