عباس. والثاني : أنها نزلت في عثمان بن عفّان ، هو الذي يأمر بالعدل ، وفي مولى له كان يكره الإسلام وينهى عثمان عن النّفقة في سبيل الله ، وهو الأبكم ، رواه إبراهيم بن يعلى بن منية عن ابن عباس. والثالث : أنه مثل ضربه الله تعالى لنفسه ، وللوثن. فالوثن : هو الأبكم ، والله تعالى : هو الآمر بالعدل ، وهذا قول مجاهد ، وقتادة ، وابن السّائب ، ومقاتل. والرابع : أنّ المراد بالأبكم : أبيّ بن خلف ، وبالذي يأمر بالعدل : حمزة ، وعثمان بن عفّان ، وعثمان بن مظعون ، قاله عطاء. فيخرّج على هذه الأقوال في معنى مولاه» قولان : أحدهما : أنه مولى حقيقة ، إذا قلنا : إنه رجل من الناس. والثاني : أنه بمعنى الوليّ ، إذا قلنا : إنه الصّنم ، فالمعنى : وهو ثقل على وليّه الذي يخدمه ويزيّنه.
ويخرّج في معنى «أينما يوجهه» قولان : إن قلنا : إنه رجل ، فالمعنى : أينما يرسله. والتّوجيه : الإرسال في وجه من الطريق. وإن قلنا : إنه الصّم ، ففي معنى الكلام قولان : أحدهما : أينما يدعوه ، لا يجيبه ، قاله مقاتل. والثاني : أينما توجّه تأميله إيّاه ورجاه له ، لا يأته ذلك بخير ، فحذف التّأميل ، وخلفه الصّنم ، كقوله : (ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) (١) أي : على ألسنة رسلك. وقرأ البزي عن ابن محيصن «أينما توجّهه» بالتاء على الخطاب. فأمّا قوله : (لا يَأْتِ بِخَيْرٍ) فإن قلنا : هو رجل ، فإنّما كان كذلك ، لأنه لا يفهم ما يقال له ، ولا يفهم عنه ، إمّا لكفره وجحوده ، أو لبكم به. وإن قلنا : إنه الصّنم ، فلكونه جمادا. (هَلْ يَسْتَوِي هُوَ) أي : هذا الأبكم (وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) أي : ومن هو قادر على التّكلّم ، ناطق بالحقّ.
(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧))
قوله تعالى : (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) قد ذكرناه في آخر (هود) (٢) ، وسبب نزول هذه الآية أنّ كفّار مكّة سألوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم : متى السّاعة؟ فنزلت هذه ، قاله مقاتل.
وقال ابن السّائب : المراد بالغيب هاهنا : قيام السّاعة.
قوله تعالى : (وَما أَمْرُ السَّاعَةِ) يعني : القيامة (إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ) واللمح : النّظر بسرعة ، والمعنى : إنّ القيامة في سرعة قيامها وبعث الخلائق ، كلمح العين ، لأنّ الله تعالى يقول : (كُنْ فَيَكُونُ) (٣) ، (أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) قال مقاتل : بل هو أسرع. وقال الزّجّاج : ليس المراد أنّ الساعة تأتي في أقرب من لمح البصر ، ولكنه يصف سرعة القدرة على الإتيان بها متى شاء.
(وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨))
قوله تعالى : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ) قرأ حمزة «إمّهاتكم» بكسر الألف والميم ، وقرأ الكسائيّ بكسر الألف وفتح الميم ، والباقون بضمّ الألف وفتح الميم ، وكذلك في النور (٤) والزمر (٥)
__________________
(١) سورة آل عمران : ١٩٤.
(٢) سورة هود : ١٢٣.
(٣) سورة البقرة : ١١٧.
(٤) سورة النور : ٦١.
(٥) سورة الزمر : ٦.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ٢ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3325_zad-almasir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
