قد تسقط أمام نوازع الذات الداخلية ، أو مطامعها الخارجية ، فتأتي الضوابط الاجتماعية والقانونية والأخروية لتحفظ الإرادة من الانسحاق والانهيار في مواطن الضعف ، لأنها تخلق في داخل النفس جوا داخليا وخارجيا يفسح لها المجال الطبيعي للنمو والقوة والحركة ، ولا فرق في الحاجة إلى ذلك بين الشعوب المتخلفة والشعوب المتحضرة ، لأن التخلف والتحضر لا يختلفان في هذا المجال ، وإنما يختلفان في طبيعة الوعي للحياة والحركة ، وفي أسلوبهما العملي. أمّا الانحراف ، وأمّا الجريمة والضعف الذاتي فإنهما يلتقيان فيه ولكن بأسلوب مختلف.
فللحضارة أساليبها المتقدمة في الانحراف وفي الجريمة ، وللتخلف أساليبه البدائية في ذلك ، وقد يختلفان في طبيعة مواطن الانحراف تبعا لحاجتهما إلى ذلك ، ولكن الإنسان يظل في حاجة إلى السوط الذي يلوح له بالعقوبة ، ليستقيم على الخط ، وليبقى في الجو الطبيعي السليم ، ولسنا نقرر ذلك من وجهة نظر فكرية مجردة ، ولكن القراءة الواعية لتأريخ الشعوب المتحضرة ، ولحركتها المعاصرة تعرّفنا أن الحضارة قد استطاعت أن تعطي الجريمة مفهوما حضاريا بأساليب حضارية لا يرقى إليها ما تعارف لدى الشعوب المتخلفة من مفاهيم وأساليب.
وعلى ضوء ذلك ، أقامت المدنيات نظاما تفصيليا للعقوبات بالمستوى الذي لا تعرفه قوانين الشعوب البدائية تبعا للطبيعة المعقدة المتنوعة لجرائم الحضارة. إذا فلا بد من العقوبة ، ولكن كيف نعاقب القاتل ، بالسجن ، أم بالضرب ، أم بالقتل؟ من خلال كل ذلك نعرف أن موقع التشريع الإسلامي هو في حركة العدالة في الحياة.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3260_tafsir-men-wahi-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
