كدعوة ربانية ، فاضية عن موانع الإقبال إليها كسؤال أجرة.
وفي نظرة أخرى إلى الآية ، قد تلمح (نَبَأَ نُوحٍ) بصيغة الإفراد ، أن تهديهم السافر أمام تلك الجموع المحتشدة ضده ، المعرقلة دعوته ، بتحضير مربع طاقاتهم وإمكانياتهم قضاء إليه ، وليس له إلا توكله على ربه ، تلمح أنه يقول ما يقوله صدقا دونما ادعاء خاو هاو ، وهذا على حده كأنه نباءه (عليه السلام) مع ما كانت له أنباء وأبناء ، حيث الرسول النافض يديه عن بلاغه بعد كل الحجج المثبتة لرسالته ، لو لم يكن في الحق رسولا كان يضعف ، لا أن يتضاعف بذلك المربع البارع الذي كلّ من أضلاعه كاف واف لاثبات حقه حقّه.
ثم «مقامي» قد تحتمل مثلث معانيها : قياما بمكانه وزمانه في دعوته ، ومن ثم تطلبه إجماعهم في أمرهم وشركاءهم دونما إبقاء ، تدليلا على أن جمعية قواتهم كليلة عليلة عن مقاومته في دعوته.
وبعد كل ذلك (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ) دون «عليّ» لمحة لعدم مكنتهم للقضاء عليه ، إنما إليه ، قصدا للقضاء عليه ولن يقضوا عليه أبدا.
(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ)(٧٣).
لقد غرقوا بما كذبوا ومرقوا ، ونجى نوح والذين معه في الفلك فلم يغرقوا (وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ) من بعدهم يخلفونهم في استمرارية الحياة (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
وهكذا انطوى طومار هؤلاء الأنكاد عن بكرتهم على كثرتهم ، ونجى نوح والذين معه في الفلك على قلتهم إذ (ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ).
(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ)(٧٤).
هنا نتوسع في المعني من «خلائف» فإن الذين نجوا معه في الفلك أصبحوا بأنسالهم خلائف للغرقى في كونهم ، وبعض منهم في كيانهم
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
