إنه لا يضرني توّليكم عني سلبا ولا إيجابا ، سلبا لأجر : إذ (فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) وإيجابا للقضاء إلي : (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لله في هذه السبيل ، فأنا من السلسلة الرسالية الموصولة على مدار الزمن الرسالي ، الصامدة في بلاغ الرسالة ، لن يزجرني عنها أي مزدجر.
أجل (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فتراه إسلاما كسائر الإسلام البسيط أو الوسيط؟ كلا! إنه الإسلام العالي الغالي وكما ينسبه ثاني المسلمين على أمير المؤمنين (عليه السلام): «لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي : الإسلام هو التسليم ، والتسليم هو اليقين ، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار ، والإقرار هو الأداء ، والأداء هو العمل» (الحكمة ١٢١).
فهنا الكفاح من نوح (عليه السلام) بعد دعوته الرسالية غير المؤثرة فيهم ، إنما هو (فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ) أمام كل العراقيل منهم ، وأخرى مقترحة هي «فاجمعوا أمركم .. ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ، ثم اقضوا إلي ، ومن ثم (لا تُنْظِرُونِ).
ويا له من كفاح حاسم جاسم لنوح أمام مثنى العرقلات : منهم ، متطلبا من نوح أن يعملوها ، كفاحا صارما يهدّدهم بكلالهم في ضلالهم وانهم لا يقدرون على شيء للقضاء على هذه الرسالة السامية اللهم إلّا شذرا نزرا عابرا.
وقد خطى نوح في رسالته خطوات ثلاث :
١ : خطوة المواصلة في دعوته تقديما لبراهين رسالته ووحيه.
٢ : خطوة المفاصلة لما كلت دعوته إذ كذبوه وهددوه.
٣ : خطوة تكملة الحجة بعدهما تأكيدا للأولى بعد تلك المفاصلة : (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ..) وهنا (أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) صارح في رسالته ، صارخ في دعوته ، إذ كانت بالغة ، ثم (فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ) تأكيدا لصالح الدعوة ، وإزالة العرقلة مالية قد تمنع دون تصديقها ، فقد خلصت دعوته في بعدي الروحية والمالية ، فائضة من كل متطلباتها
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ١٤ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3026_alfurqan-fi-tafsir-alquran-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
