وفي الحديث عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : «كانت الأولى من موسى نسيانا ، والثانية شرطا» ، فاحتمل كلام النبي الاحتمالين المذكورين.
وأنصف موسى إذ جعل لصاحبه العذر في ترك مصاحبته في الثالثة تجنبا لإحراجه.
وقرأ الجمهور : (لَدُنِّي) ـ بتشديد النون ـ قال ابن عطية : وهي قراءة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يعني أن فيها سندا خاصا مرويا فيه عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كما تقدم في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير.
وقرأ نافع ، وأبو بكر ، وأبو جعفر (مِنْ لَدُنِّي) ـ بتخفيف النون ـ على أنه حذف منه نون الوقاية تخفيفا ، لأن (لدن) أثقل من (عن) (ومن) فكان التخفيف فيها مقبولا دونهما.
ومعنى (قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً) قد وصلت من جهتي إلى العذر. فاستعير (بَلَغْتَ) لمعنى (تحتّم وتعين) لوجود أسبابه بتشبيه العذر في قطع الصحبة بمكان ينتهي إليه السائر على طريقة المكنية. وأثبت له البلوغ تخييلا ، أو استعار البلوغ لتعيّن حصول الشيء بعد المماطلة.
(فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧))
نظم قوله (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها) كنظم نظيريه السابقين.
والاستطعام : طلب الطعام. وموقع جملة (اسْتَطْعَما أَهْلَها) كموقع جملة (خرقها) وجملة (فقتله) ، فهو متعلق (إذا). وإظهار لفظ (أَهْلَها) دون الإتيان بضميرهم بأن يقال : استطعماهم ، لزيادة التصريح ، تشنيعا بهم في لؤمهم ، إذ أبوا أن يضيفوهما. وذلك لؤم ، لأنّ الضيافة كانت شائعة في الأمم من عهد إبراهيم عليهالسلام وهي من المواساة المتبعة عند الناس. ويقوم بها من ينتدب إليها ممن يمر عليهم عابر السبيل ويسألهم الضيافة ، أو من أعدّ نفسه لذلك من كرام القبيلة ؛ فإباية أهل قرية كلهم من الإضافة لؤم لتلك القرية.
وقد أورد الصفدي على الشيخ تقي الدين السبكي سؤالا عن نكتة هذا الإظهار في أبيات. وأجابه السبكي جوابا طويلا نثرا ونظما بما لا يقنع ، وقد ذكرهما الآلوسي.
وفي الآية دليل على إباحة طلب الطعام لعابر السبيل لأنه شرع من قبلنا ، وحكاه القرآن ولم يرد ما ينسخه.
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١٥ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2919_altahrir-wal-tanwir-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
