خبرا عجيبا يستقبله السامعون دالا على عظيم القدرة من المتكلم ورفيع منزلة المتحدث عنه.
فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيها أو تنقيصا لا يليقان بجلال الله تعالى مثل (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الصافّات : ١٨٠] يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه ، وذلك هو التعجيب من الخبر المتحدث به كقوله (قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ) [النور : ١٦] ، وقول الأعشى :
|
قد قلت لما جاءني فخره |
|
سبحان من علقمة الفاخر |
ولما كان هذا الكلام من جانب الله تعالى والتسبيح صادرا منه كان المعنى تعجيب السامعين ، لأن التعجب مستحيلة حقيقته على الله لا لأن ذلك لا يلتفت إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل ، مثل مجيء الرجاء في كلامه تعالى نحو (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [البقرة : ١٨٩] ، بل لأنه لا يستقيم تعجب المتكلم من فعل نفسه ، فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم أتعجب من قول فلان كيت وكيت.
ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ما لا يليق بالله تعالى. ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلا للشك في قدرة الله وللإشراك به كان من شأنه أن ينطق المتأمل بتسبيح الله تعالى ، أي تنزيهه عن العجز.
وأصل صيغ التسبيح هو كلمة «سبحان الله» التي نحت منها السبحلة. ووقع التصرف في صيغها بالإضمار نحو سبحانك وسبحانه ، وبالموصول نحو (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها) [يس : ٣٦] ومنه هذه الآية.
والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه ، وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى. ويفيد أن حديث الإسراء أمر فشا بين القوم ، فقد آمن به المسلمون وأكبره المشركون.
وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد صلىاللهعليهوسلم وإثبات أنه رسول من الله ، وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قيل لهم بإنكاره ، فقد كان إسراؤه اطلاعا له على غائب من الأرض ، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام.
و (أَسْرى) لغة في سرى ، بمعنى سار في الليل ، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن
![تفسير التّحرير والتّنوير [ ج ١٤ ] تفسير التّحرير والتّنوير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2918_altahrir-wal-tanwir-14%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
