إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم ، وأدناهم من محلّهم. ومثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شىء أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه (١) ويصيرون إليه! يا بنىّ ، اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من النّاس بما ترضاه لهم من نفسك (٢) ، ولا تقل ما لا تعلم ، وإن قلّ ما تعلم ولا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك.
واعلم أنّ الاعجاب ضدّ الصّواب ، وآفة الألباب (٣) ، فاسع فى كدحك (٤) ولا تكن خازنا لغيرك (٥) ، وإذا كنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربّك.
__________________
(١) هجم عليه ـ من باب دخل ـ انتهى إليه بغتة
(٢) إذا عاملوك بمثل ما تعاملهم فارض بذلك ، ولا تطلب منهم أزيد مما تقدم لهم
(٣) الاعجاب : استحسان ما يصدر عن النفس مطلقا ، وهو خلق من أعظم الأخلاق مصيبة على صاحبه : ومن أشد الآفات ضررا لقلبه
(٤) الكدح : أشد السعى
(٥) لا تحرص على جمع المال ليأخذه الوارثون بعدك ، بل انفق فيما يجلب رضا اللّه عنك.
![نهج البلاغة [ ج ٣ ] نهج البلاغة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1619_nahj-al-balagha-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
