وإذا تفرّغت نفسه من الأسباب تجرّد قلبه للقراءة ، فلا يعترضه عارض فيحرمه بركة نور القرآن وفوائده ، وإذا اتّخذ مجلسا خاليا واعتزل من الخلق بعد أن اتى بالخصلتين الأوليين استنارت روحه وسرّه بالله ، ووجد حلاوة مخاطبات الله لعباده الصالحين ، وعلم لطفه بهم ، ومقام اختصاصه لهم بفنون كراماته ، وبدائع إشاراته ، فإذا شرب كأسا من هذا المشرب فحينئذ لا يختار على ذلك الحال حالا ، وعلى ذلك الوقت وقتا ، بل يؤثره على كلّ طاعة وعبادة ، لأنّ فيه المناجاة مع الربّ بلا واسطة.
فانظر كيف تقرأ كتاب ربّك ، ومنشور ولايتك ، وقف عند وعده ووعيده ، وتفكّر في أمثاله ومواعظه ، واحذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده.
وفي الكافي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن ، فإنّه شافع مشفّع ، وما حل مصدّق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنّة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل ، وبيان وتحصيل ، وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، وظاهره حكم ، وباطنه علم ، ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، له تخوم وعلى تخومه تخوم ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ، ومنار الحكمة ، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة ، فليجل جال بصره ، وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب ، ويتخلّص من نشب ، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات
