وليت شعري لم لا ينسب المخالف الظلم إلى الملك المجازي حيث يجعل بعض من يحبّه وزيرا قريبا ، وبعضهم كنّاسا بعيدا ، لأنّ كلّا منهما من ضروريّات المملكة ، وينسب الظلم إليه تعالى في تخصيص كلّ من عبيده بما خصّص به مع [أنّ] كلّا منهما ضروريّ في بقائه ، فهذا القائل يهدم بناء حكمته تعالى ، ويدّعي أنّه يحفظ ما فسد حين أصلح.
وأمّا قوله «أيّ فائدة في بعثة الرسل وإنزال الكتب» ففي غاية السخافة ، فإنّه تعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، فكيف يبقى للمعرّض أن يقول لم جعل الله مع الشيء الفلانيّ سببا وواسطة للشيء الفلانيّ كما أنّه ليس له أن يقول مثلا لم جعل الشمس سببا لإنارة الأرض.
غاية ما في الباب أن يقول : إذا علم الله أنّ الكافر لا يؤمن ، فلم يأمره ويبعث إليه النبيّ؟! فأقول : فائدة بعث الأنبياء وإنزال الكتب بالحقيقة يرجع إلى المؤمنين ؛ كما قال : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) (١) وقال : (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (٢) كما أنّ فائدة نور الشمس تعود إلى أصحاب العيون الصحاح.
وأمّا فائدة ذلك بالنسبة إلى المختوم على قلوبهم فكفائدة نور الشمس إلى الأكمه.
وأمّا الّذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ومأواهم النار وهم كافرون.
__________________
(١) النازعات : ٤٥.
(٢) البقرة : ٢.
