أو نقول لمّا رجعنا إلى الفطرة السليمة وجدنا أنّ ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يرجّح أحدهما على الآخر إلّا لمرجّح. وهذا يقتضي الجبر ، ونجد تفرقة ضروريّة بين حركات الإنسان وسكناته وحركات الجمادات والحركات الاضطراريّة ، وذلك يقتضي مذهب الاعتزال ، فلذلك وقعت هذه الشبهة في حيّز الإشكال.
ولكنّ هذه المسألة عندي في غاية الاستنارة والسطوع إذا لو حظت المبادئ ورتّبت المقدّمات ، فإنّ مبدأ الكلّ لو لم يكن قادرا على كلّ الممكنات وخرج شيء من الأشياء عن علمه وقدرته وتأثيره وإيجاده بواسطة أو غير واسطة لم يصلح لكونه مبدء للكلّ ، فالهداية والضلال ، والإيمان والكفر ، والخير والشرّ ، والنفع والضرر ، وسائر المتقابلات كلّها منتهية إلى قدرته وتأثيره وعلمه وإرادته ، والآيات ناطقة بصحّة هذه القضيّة ؛ كقوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (١) و (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) (٢) (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) (٣) فهذه القضيّة مطابقة للعقل والنقل.
بقي الجواب عن اعتراضات المخالف ، أمّا حكاية التنزيه عن الظلم والقبائح فأقول :
لا ريب أنّه تعالى منزّه عن جميع القبائح ، لكن لا بالوجه الّذي يذكره المخالف ، ويلزم منه النقض من جهة اخرى ، وهو الخلل في مبدئيّته للكلّ ،
__________________
(١) النحل : ٩.
(٢) السجدة : ١٣.
(٣) النساء : ٧٨.
