لم يحصل لها ملكة الاتّصال بمادّيّها ، ولم تقرّ بالمقاصد الكلّيّة ، فيحصل لها بسبب ذلك العذاب الأليم ، فلا جرم كان ذلك شرّا مستطيرا عامّا في حقّ الأكثر.
أقول : لقد ارتكب التجوّز حيث حمل العامّ على المبتلى به الأكثر مع أنّ حقيقة الشرّ العام أن لا يشذّ منه أحد لانتشاره ، يقال : عمّت البليّة ؛ إذا لم ينج منها أحد.
ولا يخفى أنّ الكاملين لاستكمالهم ووصولهم إلى المقامات الّتي قرّرت لهم في أبدانهم العنصريّة لا يبالون من الموت أصلا ، بل نفوسهم مشتاقة إليه ، لأنّهم يرون البدن العنصريّ بعد ذلك حجابا بينهم وبين حقائق ملكاتهم الّتي حصّلوها بالرياضات والمجاهدات ، فلا يزالون يتمنّون الموت لعدم علاقتهم بالدنيا ، فإنّ ذلك من علامة الكامل الراغب عن غير الحقّ ؛ كما قال الله تعالى : (قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) ... (١) إلى آخره.
أي قل لهؤلاء المدّعين لمقام الولاية والمحبّة الخالصة والفوز بمقام الكمال والاستكمال تمنّوا الموت والنجاة عن ذلك البدن العنصريّ ، فإنّه حجاب منيع عن الفوز بالحقائق المعدّة لأولياء الله إن كنتم صادقين في تلك الدعوى ؛ إذ الدعوى لا تسمع إلّا بعد إقامة البيّنة ، وبيّنة مقام المحبّة الإعراض
__________________
(١) البقرة : ٩٤ ـ ٩٦.
