ولعل أشد أثر تلك المواقف على معاوية ، وأكثرها إيلاماً له ما كان أشدها جرأة وتحدياً ، حتى بلغ امتلاك ابن عباس لرصيد شعبي في الشام كوّنه في وفاداته ، فصار يهدد كيان معاوية في عاصمة ملكه ، فقد كان يجلس في الجامع فيحدث الناس بفضائل الإمام ، وينقد معاوية ، فنفذ إلى أعماق سامعيه بحديثه ، واحتل مكانة في نفوسهم توازي هيبة معاوية في سلطانه.
وأخاله اتخذ من السفر إلى الشام وطول المكث فيها وسيلة من وسائل الإعلام المضادّ للإعلام السلطوي الكاذب ، وغزواً فكرياً ثقافياً في عقر داره ، وبذلك تمكن من أداء رسالته في نصرة الحقّ وإنكار الباطل. فلقد حدث المؤرخون عن مدى استقطابه جماهير الشاميين حتى التفوا حوله يحضرون مجلسه ويستمعون حديثه ، ما تبيّن لمعاوية أثر ذلك في خلوّ مجلسه منهم. فضاق به ذرعاً.
٧ ـ أرحني من شخصك :
ولقد بلغ الحسد والحقد من معاوية في نفسه مبلغاً لم يكتمه في موقف آخر فقال لابن عباس أرحني من شخصك شهراً ، وذلك حين بلغ من ازدراء ابن عباس بمعاوية أنّ وصمه أمام أهل الشام بميسم عاره ، وذكّره بماضي أصله الأسود وشناره ، والّذي كان في ذمة جده وجواره ، فقال له كلمة أخرجته من اهابه وانقطع عن جوابه فلم يملك سوى كلمته الرعناء.
فلنقرأ ما رواه الجاحظ في المحاسن والأضداد (١) ، والبيهقي في المحاسن والمساوي (٢) ، وغيرهما ، قالا :
____________________
(١) المحاسن والأضداد / ١١٦ ط المعاهد بمصر سنة ١٣٥٠.
(٢) المحاسن والمساوي ١ / ٦٧ ط النعساني.
![موسوعة عبد الله بن عبّاس [ ج ٥ ] موسوعة عبد الله بن عبّاس](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1173_mosoa-abdollahebnabbas-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)

