🚘

منهاج الكرامة في معرفة الإمامة

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

منهاج الكرامة في معرفة الإمامة

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: عبدالرحيم مبارك
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة عاشوراء للتحقيقات والبحوث الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-90423-6-9
الصفحات: ٢١٦
🚘 نسخة غير مصححة

بالإجماع.

وقد أحسن بعض العقلاء في قوله : شرّ من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعته ، وجرى معه في ميدان معصيته! ولا شكّ بين العلماء أنّ إبليس كان أعبد الملائكة ، وكان يحمل العرش وحده ستّة آلاف سنة. ولمّا خلق الله تعالى آدم وجعله خليفة في الأرض ، وأمره بالسجود فاستكبر فاستحقّ الطرد واللّعن ، ومعاوية لم يزل في الإشراك وعبادة الأصنام إلى أن أسلم بعد ظهور النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمدّة طويلة ، ثمّ استكبر عن طاعة الله تعالى في نصب أمير المؤمنين عليه‌السلام إماما ، وتابعه (١) الكلّ بعد عثمان ، وجلس مكانه ، فكان شرّا من إبليس وتمادى البعض (٢) في التعصّب ، حتّى اعتقد إمامة يزيد بن معاوية مع ما صدر عنه من الأفعال القبيحة ، من قتل الامام الحسين عليه‌السلام ، ونهب أمواله ، وسبي نسائه والدوران بهم في البلاد على الجمال بغير قتب ، ومولانا زين العابدين عليه‌السلام مغلول اليدين ، ولم يقنعوا بقتله حتّى رضّوا أضلاعه وصدره بالخيول ، وحملوا رءوسهم على القنا ، مع أنّ مشايخهم رووا أنّ يوم قتل الحسين قطرت (٣) السماء دما ؛ (٤) وقد ذكر ذلك الرافعي في شرح الوجيز

وذكر ابن سعد في الطبقات أنّ الحمرة ظهرت في السماء (٥) يوم قتل الحسين ولم تر قبل ذلك (٦) وقال أيضا : ما رفع حجر في الدنيا إلّا وتحته الدم (٧) عبيط ـ ولقد مطرت السماء مطرا بقي أثره في الثياب مدّة حتّى تقطّعت. (٨)

__________________

(١) في «ش ١» و«ش ٢» : بايعه.

(٢) في «ش ١» و«ش ٢» : بعضهم.

(٣) في «ش ٢» : انّ بقتل الحسين مطرت.

(٤) تذكرة الخواص : ٢٧٢ و ٢٧٤ ، ومقتل الحسين للخوارزمي ٢ : ٨٩ ـ ٩١ ، وقال في الفصول المهمّة : ١٩٧ «ومكث الناس بعد قتل الحسين عليه‌السلام شهرين أو ثلاثة كأنّما لطخ الحائط بالدماء ساعة ما تطلع الشمس».

(٥) في «ش ١» : في السماء ظهرت.

(٦) طبقات ابن سعد ، وعنه في تذكرة الخواص : ٢٧٣.

(٧) في «ش ١» و«ش ٢» : دم.

(٨) تذكرة الخواص : ٢٧٤. عن طبقات ابن سعد.

٨١

قال الزهري : ما بقي أحد من قاتلي الحسين إلّا وعوقب في الدنيا ، إمّا بالقتل أو العمى (١) أو سواد الوجه أو زوال الملك في مدّة يسيرة. (٢) وقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يكثر الوصيّة للمسلمين في ولديه الحسن والحسين ويقول لهم : هؤلاء وديعتي عندكم ، وأنزل الله تعالى فيهم (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى). (٣)

وتوقف جماعة ممّن لا يقول بإمامته في لعنته ، مع أنّه عندهم ظالم بقتل الحسين ونهب حريمه ، (٤) وقد قال الله تعالى (أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ). (٥)

وقال أبو الفرج بن الجوزي من شيوخ الحنابلة : عن ابن عبّاس ، قال : أوحى الله تعالى إلى محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي قتلت بيحيى بن زكريّا سبعين ألفا ، وإنّي قاتل بابن بنتك فاطمة سبعين ألفا وسبعين ألفا. (٦)

وحكى السدّي ـ وكان من فضلائهم ـ قال : نزلت بكربلاء ومعي طعام للتجارة ، فنزلنا على رجل فتعشّينا عنده ، وتذاكرنا قتل الحسين عليه‌السلام ، وقلنا : ما شرك أحد في قتل الحسين إلّا ومات أقبح موتة! فقال الرجل : ما أكذبكم! أنا شركت في دمه وكنت فيمن قتله ، فما أصابني شيء.

قال : فما كان في آخر الليل إذا بالصياح (٧) ، قلنا : ما الخبر؟ قالوا : قام الرجل يصلح المصباح فاحترقت إصبعه ، ثمّ دبّ الحريق في جسده فاحترق قال السدّي : فأنا ـ والله ـ رأيته كأنّه حممة (٨).

__________________

(١) في «ش ٢» : بالحمّى.

(٢) تذكرة الخواص : ٢٨٠.

(٣) الشورى : ٢٣.

(٤) في «ش ٢» : حرمه.

(٥) هود : ١٨.

(٦) تذكرة الخواص : ٢٨٠.

(٧) في «ش ١» و«ش ٢» : إذا أنا بصياح.

(٨) في «ش ١» : فحمة.

٨٢

وقد سأل مهنا بن يحيى أحمد بن حنبل عن يزيد ، فقال : هو الذي فعل ما فعل قلت : وما فعل؟ قال : نهب المدينة. وقال له صالح ولده يوما : إنّ قوما ينسبوننا إلى توالي يزيد ، فقال : يا بني ، وهل يتوالى (١) يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقلت : لم لا تلعنه؟ فقال : وكيف لا ألعن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت : وأين لعن يزيد؟ فقال : في قوله (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ). (٢)

فهل يكون فساد أعظم من القتل ، ونهب المدينة ثلاثة أيام ، وسبي أهلها (٣) ، وقتل جمع من وجوه الناس فيها من قريش والأنصار والمهاجرين يبلغ عددهم سبعمائة ، وقتل من لم يعرف من عبد أو حرّ أو امرأة عشرة آلاف؟ وحاض الناس في الدماء حتّى وصلت الدماء إلى قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وامتلأت الروضة والمسجد ؛ ثم ضرب الكعبة بالمناجق وهدمها وأحرقها.

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ قاتل الحسين في تابوت من نار ، عليه نصف عذاب أهل الدنيا (٤) وقد شدّت يداه ورجلاه بسلاسل من نار ، منكّس (٥) في النار حتّى يقع في قعر جهنّم ، له ريح يتعوّذ أهل النار إلى ربّهم من شدّة نتن ريحه ، وهو فيها خالد ذائق للعذاب الأليم ، كلّما نضجت جلودهم بدّل الله لهم الجلود حتّى يذوقوا (٦) العذاب ، لا يفتر عنهم ساعة ويسقى من

__________________

(١) في «ش ٢» : يتولّى.

(٢) محمّد : ٢٢ ـ ٢٣.

تذكرة الخواص ٢٨٧ ، قال : حكى جدّي أبو الفرج ، عن القاضي أبي يعلى بن الفرّاء في كتابه «المعتمد في الأصول بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل ، قال : قلت لأبي : إنّ قوما ينسبوننا ... إلخ ، قال : وفي رواية : لمّا سأله صالح فقال : يا بنيّ ما أقول في رجل لعنه الله في كتابه وذكره.

(٣) في «ش ٢» : وسبيها.

(٤) في «ش ١» : النار.

(٥) في «ش ٢» : منكّسا.

(٦) في «ش ٢» : بدلناهم جلودا غيرها ليذوق.

٨٣

حميم جهنّم. الويل لهم من عذاب الله عزوجل. (١)

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اشتدّ غضب الله تعالى وغضبي على من أهراق دمي وآذاني في عترتي. (٢)

فلينظر العاقل أيّ الفريقين أحقّ بالأمن : الذي نزّه الله تعالى وملائكته وأنبياءه وأئمّته ، ونزّهوا (٣) الشرع عن المسائل الرديّة ، ومن يبطل الصلاة بإهمال الصلاة على أئمّتهم وبذكر أئمة غيرهم ، أم الذي فعل ضدّ ذلك واعتقد خلافه؟

السادس :

إنّ الإماميّة لمّا رأوا فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام وكمالاته لا تحصى ، قد رواها المخالف والمؤالف ، ورأوا الجمهور قد نقلوا عن (٤) غيره من الصحابة مطاعن كثيرة ، ولم ينقلوا في علي عليه‌السلام طعنا البتة ، اتّبعوا قوله وجعلوه إماما لهم ، حيث نزّهه المخالف والمؤالف ، وتركوا غيره حيث روى فيه من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته.

ونحن نذكر هنا شيئا يسيرا ممّا هو صحيح عندهم ، ونقلوه في المعتمد (٥) من كتبهم ، ليكون حجّة عليهم يوم القيامة.

فمن ذلك ما رواه أبو الحسن الأندلسي في الجمع بين الصحاح الستة ـ موطّأ مالك ، وصحيحي مسلم والبخاري ، وسنن أبي داود ، وصحيح الترمذي ، وصحيح النسائي ـ عن أمّ سلمة زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. أنّ قوله تعالى (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ

__________________

(١) مقتل الحسين للخوارزمي ٢ : ٨٣ ونور الأبصار : ١٢٧ ، ومناقب ابن المغازلي : ٦٦ / الحديث ٩٥ ، وإسعاف الراغبين : ١٨٦.

(٢) مقتل الحسين للخوارزمي ٢ : ٨٤ ، ومناقب ابن المغازلي : ٤١ ـ ٤٢ / الحديث ٦٤ و: ٢٩٢ / الحديث ٣٣٤ بعضه.

(٣) في «ش ٢» : نزّه.

(٤) في «ش ٢» : في.

(٥) في «ش ١» و«ش ٢» : المعتد.

٨٤

وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (١) أنزلت (٢) في بيتها ، وأنا جالسة عند الباب ، فقلت : يا رسول الله ، ألست من أهل البيت؟ فقال : إنّك على خير ، إنّك من أزواج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قالت : وفي البيت رسول الله وعليّ وفاطمة وحسن وحسين ، فجلّلهم بكساء وقال : اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. (٣)

ونحوه رواه أحمد بن حنبل. وقال في قوله تعالى (إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) (٤) قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام : ما عمل بهذه الآية غيري ، وبي خفّف الله تعالى أمر هذه الآية. (٥)

وعن محمّد بن كعب القرظي ، قال : افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فقال طلحة بن شيبة : معي مفتاح البيت ، ولو أشاء بتّ فيه! وقال العبّاس : أنا صاحب السقاية والقائم عليها ، ولو أشاء بتّ في المسجد.

وقال عليّ عليه‌السلام : ما أدري ما تقولان! لقد صلّيت إلى القبلة ستّة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد.

فأنزل الله تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). (٦)

__________________

(١) الأحزاب : ٣٣.

(٢) في «ش ٢» : نزلت.

(٣) انظر أسباب النزول : ١٣٤ ، والمستدرك على الصحيحين ٢ : ٤٨١ ، وتفسير الطبري ٢٨ : ١٤ ، وخصائص النسائي : ٣٩ ، وكفاية الطالب : ١٣٥ ، والدر المنثور ٦ : ١٨٥.

(٤) المجادلة : ١٢.

(٥) تفسير الرازي ٢٩ : ٢٧١ ، وتفسير الطبري ٢٨ : ١٤ ، وأسباب النزول : ٢٣٤ ، والمستدرك على الصحيحين ٢ : ٤٨١.

(٦) التوبة : ١٩.

أسباب النزول : ١٣٩ ، وتفسير الطبري ١٠ : ٦٨ ، وتفسير ابن كثير ٢ : ٢٤١.

٨٥

ومنها ما رواه أحمد بن حنبل ، عن أنس بن مالك ، قال ، قلنا لسلمان : سل النبيّ عن (١) وصيّه! فقال له سلمان : يا رسول الله ، من وصيّك؟ فقال : يا سلمان ، من كان وصي موسى؟ فقال : يوشع بن نون.

قال ، قال : وصيّي ووارثي يقضي (٢) ديني وينجز موعدي عليّ بن أبي طالب (٣).

وعن أبي مريم ، عن عليّ عليه‌السلام ، قال : انطلقت أنا والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أتينا الكعبة ، فقال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اجلس! فصعد على منكبي ، فذهبت لأنهض به ، فرأى منّي ضعفا ، فنزل وجلس لي نبيّ الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقال : اصعد على منكبي (٤) ، فصعدت على منكبيه ، قال : فنهض بي قال : فإنّه تخيّل لي أنّي لو شئت لنلت أفق السماء حتّى صعدت على البيت ، وعليه تمثال صفر أو نحاس ، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه ، حتّى إذا استحكمت (٥) منه ، قال لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اقذف به! فقذفت به ، فتكسّر كما تتكسّر القوارير ، ثم نزلت وانطلقت أنا ورسول الله نستبق حتّى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس. (٦)

وعن معقل بن يسار ، أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لفاطمة : ألا ترضين أنّي زوّجتك أقدم أمّتي سلما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلما؟ (٧)

عن ابن أبي ليلى ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الصّديقون (٨) ثلاثة : حبيب النجّار مؤمن آل

__________________

(١) في «ش ١» و«ش ٢» : من.

(٢) في «ش ١» : ومن يقضي.

(٣) كفاية الطالب : ٢٩٢ ، وقال : رواه الطبراني في معجمه الكبير. وتذكرة الخواص : ٤٣ عن أحمد في الفضائل.

(٤) في «ش ١» و«ش ٢» : منكبه.

(٥) في «ش ١» و«ش ٢» : استمكنت.

(٦) مناقب الخوارزمي : ١٢٣ ـ ١٢٤ ، وخصائص النسائي : ١١٣ ، والمستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٦٦ ، وذخائر العقبى : ٨٥ ـ ٨٦ وقال : خرّجه أحمد وصاحب الصفوة.

(٧) كنز العمال : ١١ / الحديثان ٣٢٩٢٤ و ٣٢٩٢٥ وقال : أخرجه الحاكم والطبراني والخطيب.

(٨) في «ش ١» : الصدّيق.

٨٦

يس الذي قال (يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (١) وحزبيل مؤمن آل فرعون الذي قال (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ) ، (٢) وعليّ بن أبي طالب وهو أفضلهم. (٣)

وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال لعليّ : أنت منّي وأنا منك. (٤)

وعن عمرو بن ميمون قال : لعليّ عشر خصال ليست لغيره ، قال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لأبعثنّ رجلا لا يخزيه الله أبدا ، يحبّ الله ورسوله ، فاستشرف لها من استشرف ، قال : أين عليّ؟ قالوا : هو في الرحى يطحن. قال : وما كان أحدكم يطحن قال : فجاء وهو أرمد لا يكاد أن يبصر ، قال : فنفث في عينيه ، (٥) ثم هزّ الراية ثلاثا فأعطاها إيّاه ، فجاء بصفيّة بنت حيي.

قال : ثم بعث أبا بكر بسورة التوبة ، فبعث عليا خلفه فأخذها منه ، وقال : لا يذهب بها إلّا رجل هو منّي وأنا منه.

وقال لبني عمّه : أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ قال : وعليّ معهم جالس ، فأبوا فقال عليّ : أنا أو أليك في الدنيا والآخرة ، قال : فتركه ثمّ أقبل على رجل منهم (٦) فقال : أيّكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ فأبوا ، فقال عليّ : أنا أو أليك في الدنيا والآخرة ؛ فقال : أنت وليّي في الدنيا والآخرة. (٧)

قال : وكان عليّ أوّل من أسلم من الناس بعد خديجة.

قال : وأخذ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثوبه فوضعه على عليّ وفاطمة والحسن

__________________

(١) يس : ٢٠.

(٢) غافر : ٢٨.

وفى «ش ٢» : يا قوم اتبعون أهدكم ، قال أتقتلون ...

(٣) شواهد التنزيل ٢ : ٢٢٤ / الحديثان ٩٣٨ و ٩٣٩ ، وشرح النهج ٢ : ٤٣١ ، والفردوس للديلمي ٢ : ٤٢١ / الحديث ٣٨٦٦ ، والصواعق المحرقة ١٢٥ ، ومناقب ابن المغازلي : ٢٤٥ ـ ٢٤٦ / الحديث ٢٩٣.

(٤) مسند أحمد ١ : ٩٨ / الحديث ٧٧٢ في حديث ، وصحيح البخاري ٥ : ٢٢ / باب مناقب عليّ ، ومستدرك الحاكم ٣ : ١٢٠ ، وتاريخ بغداد ٤ : ١٤٠.

(٥) في «ر» : عينه.

(٦) في مناقب الخوارزمي : على رجل رجل منهم.

(٧) انظر حديث العشيرة في ص ١٤٧ من هذا الكتاب.

٨٧

والحسين عليهم‌السلام ، فقال : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً). (١)

قال : وشرى عليّ نفسه ولبس ثوب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ نام مكانه ، وكان المشركون يرمونه بالحجارة.

وخرج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزاة تبوك ، فقال له عليّ : أأخرج معك؟ فقال : لا ، فبكى عليّ فقال له (٢) : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّك لست بنبيّ ، لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي.

قال : وقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي.

قال : وسدّ أبواب المسجد غير باب عليّ ، قال : فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره.

وقال له : من كنت مولاه ؛ فإنّ مولاه عليّ (٣).

وعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرفوعا : أنّه بعث أبا بكر ببراءة إلى أهل مكّة ، فسار بها ثلاثا ، ثمّ قال لعليّ عليه‌السلام : الحقه فردّه وبلّغها أنت ؛ ففعل ، فلمّا قدم أبو بكر على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بكى وقال :

يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال : لا ، ولكن أمرت ألّا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي. (٤)

ومنها ما رواه أخطب خوارزم عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : يا عليّ ، لو أنّ عبدا عبد الله عزوجل مثل ما قام نوح في قومه ؛ وكان له مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ، ومدّ في عمره

__________________

(١) الأحزاب : ٣٣.

(٢) ليس في «ر».

(٣) في «ش ١» و«ش ٢» : فعليّ مولاه.

مناقب الخوارزمي : ١٢٥ ـ ١٢٧ / فصل ١٢ ، وخصائص النسائي : ٦١ ـ ٦٢ ، ومسند أحمد ١ : ٣٣٠ / الحديث ٣٠٥٢.

(٤) مسند أحمد ٣ : ٢٨٣ / الحديث ١٣٦٠٥ ، وخصائص النسائي : ٩١ ، والدر المنثور ٣ : ٢٠٩ ، وتذكرة الخواص : ٣٧.

٨٨

حتّى حجّ (١) ألف عام على قدميه ، ثمّ قتل بين الصفا والمروة مظلوما ، ثمّ لم يوالك يا عليّ ، لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها. (٢)

وقال رجل لسلمان : ما أشدّ حبّك لعليّ!! قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من أحبّ عليّا فقد أحبّني ، ومن أبغض عليّا فقد أبغضني. (٣)

وعن أنس ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خلق الله من نور وجه عليّ بن أبي طالب سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبّيه إلى يوم القيامة. (٤)

وعن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحبّ عليّا قبل الله منه صلاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاءه ، ألا ومن أحبّ عليّا أعطاه الله بكلّ عرق في بدنه مدينة في الجنّة ، ألا ومن أحبّ آل محمّد أمن من الحساب والميزان والصراط ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد فأنا كفيله بالجنّة مع الأنبياء ، ألا ومن أبغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه «آيس من رحمة الله». (٥)

وعن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من زعم أنّه آمن بي وبما جئت به وهو يبغض عليّا ، فهو كاذب ليس بمؤمن. (٦)

وعن أبي برزة ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونحن جلوس ذات يوم : والذي نفسي بيده لا يزول قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأله تبارك وتعالى عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن جسده فيم أبلاه ، وعن ماله ممّ كسبه وفيم أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت. فقال له عمر : فما

__________________

(١) في «ش ٢» : يحجّ.

(٢) مناقب الخوارزمي : ٦٧ ـ ٦٨ / الحديث ٤٠.

(٣) مناقب الخوارزمي : ٦٩ ـ ١٧٠ / الحديث ٤٤ ، وذخائر العقبى : ٦٥ وقال : أخرجه أبو عمر النمري ، والفردوس للديلمي ١ : ٣٢٩ ـ ٣٣٠ / الحديث ١٧٥١ في حديث عن عمار مرفوعا ، وانظر كنز العمال : ١١ / الحديث ٢٤. ٣٣.

(٤) مناقب الخوارزمي : ٧١ / الحديث ٤٧ ، ومقتل الحسين للخوارزمي ١ : ٣٩.

(٥) مناقب الخوارزمي : ٧٢ ـ ٧٣ / الحديث ٥١ وفرائد السمطين ٢ : ٢٥٨.

(٦) مناقب الخوارزمي : ٧٦ / الحديث ٥٧ ، وترجمه الإمام عليّ في تاريخ دمشق لابن عساكر ٢ : ٢١٠.

٨٩

آية حبّكم من بعدكم؟ فوضع يده على رأس عليّ عليه‌السلام وهو إلى جانبه فقال : إنّ حبّي من بعدي حبّ هذا. (١)

وعن عبد الله بن عمر ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد سئل : بأيّ لغة خاطبك ربّك ليلة المعراج؟ فقال : خاطبني بلغة عليّ بن أبي طالب ، فألهمني أن قلت : يا ربّ أنت خاطبتني أم عليّ (٢)؟ فقال : يا أحمد ، (٣) أنا شيء ليس كالأشياء لا أقاس بالناس ولا أوصف بالأشباه ، (٤) خلقتك ، من نوري وخلقت عليّا من نورك ، فاطّلعت على سرائر قلبك فلم أجد إلى قلبك أحبّ من عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك. (٥)

وعن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو أنّ الرياض أقلام ، والبحر مداد ، والجنّ حسّاب ، والإنس كتّاب ، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب. (٦)

وبالإسناد قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله تعالى جعل لأخي عليّ فضائل لا تحصى كثرة ، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّا بها غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم ، ومن استمع فضيلة من فضائله غفر الله (٧) له الذنوب التي اكتسبها (بالاستماع ، ومن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها) (٨) بالنظر.

__________________

(١) مناقب الخوارزمي : ٧٦ : ٧٧ / الحديث ٥٨ ، ومناقب ابن المغازلي ١١٩ ـ ١٢٠ / الحديث ١٥٧ ، بعضه بسنده عن ابن عباس ، كفاية الطالب : ٣٢٣ ـ ٣٢٤ بسنده عن أبي ذرّ وقال : هكذا رواه ابن عساكر في ترجمة عليّ عليه‌السلام في تاريخه.

(٢) في «ر» : يا ربّ خاطبتني أم علي. وفي مناقب الخوارزمي : يا ربّ خاطبتني أنت أم علي.

(٣) في «ش ١» و«ش ٢» : محمّد.

(٤) في «ش ١» و«ش ٢» : بالأشياء. وفي مناقب الخوارزمي : بالشبهات.

(٥) مناقب الخوارزمي : ٧٨ / الحديث ٦١ ، وينابيع المودّة ١ : ٢٤٦ ـ ٢٤٧ / الحديث ٢٨.

(٦) مناقب الخوارزمي : ٣٢٨ / الحديث ٣٤١ ، وحلية الأبرار ١ : ٢٨٩ ، وكفاية الطالب : ٢٥١ ـ ٢٥٢ ، والمستدرك ٣ : ١٠٧.

(٧) في «ر» : غفر له.

(٨) ما بين القوسين ساقط من «ش ١».

٩٠

ثم قال : النظر إلى وجه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام عبادة ، وذكره عبادة ، لا يقبل الله إيمان عبد إلّا بولايته والبراءة من أعدائه. (١)

وعن حكيم ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال (٢) : لمبارزة عليّ بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل أمّتي إلى يوم القيامة. (٣)

وعن سعد بن أبي وقّاص ، قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا بالسبّ فأبى ، فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟ فقال : ثلاث قالهنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلن أسبّه ، لئن يكون (٤) لي واحدة منهنّ أحبّ إليّ من حمر النّعم ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول لعليّ ـ وقد خلّفه (٥) في بعض مغازيه ـ فقال له عليّ : يا رسول الله تخلّفني (٦) مع النساء والصبيان؟! فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟.

وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطيّن الراية رجلا يحبّ الله ورسوله (ويحبّه الله ورسوله) (٧) : فتطاولنا ، فقال : ادعوا لي عليّا ؛ فأتاه وبه رمد ، فبصق في عينيه (٨) فدفع الراية إليه ، ففتح الله عليه.

وأنزلت (٩) هذه الآية (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) (١٠) ، دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّا

__________________

(١) مناقب الخوارزمي ٣٢ ـ ٣٣ / الحديث ٢ ، وكفاية الطالب : ٢٥٢ ، وينابيع المودة ١ : ٣٦٤ ـ ٣٦٥ / الحديث ٦ ، وفرائد السمطين ١ : ١٨.

(٢) سقط من «ش ٢».

(٣) مقتل الحسين للخوارزمي ١ : ٤٥ ، وكنز العمال : ١١ / الحديث ٣٣٠٣٥ ، و«ما روته العامة من مناقب أهل البيت» للبشرواني : ١٤٥ نقلا عن روضة الأحباب.

(٤) في «ش ١» و«ش ٢» : كان.

(٥) في «ر» : وخلّفه.

(٦) في «ش ٢» : أتخلّفني.

(٧) ما بين القوسين غير موجود في «ر».

(٨) في «ر» : عينه.

(٩) في «ش ١» و«ش ٢» : ولمّا نزلت.

(١٠) آل عمران : ٦١.

٩١

وفاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : اللهمّ هؤلاء أهلي. (١)

وعن عامر بن واثلة ، قال : كنت مع عليّ عليه‌السلام في البيت يوم الشورى ، فسمعت عليّا عليه‌السلام يقول لهم : لأحتجنّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا عجميّكم تغيير (٢) ذلك ، ثم قال : أنشدكم بالله أيّها النفر جميعا ، أفيكم أحد وحّد الله تعالى قبلي؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر الطيّار (٣) في الجنّة مع الملائكة غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد له عمّ مثل عمّي حمزة أسد الله وأسد رسوله سيّد الشهداء غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت محمّد سيّدة نساء أهل الجنّة غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فانشدكم بالله تعالى ، هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطيّ الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد ناجى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عشر مرّات وقدّم بين يدي نجواه صدقة غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه ، ليبلغ الشاهد الغائب ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ ، وأشدّهم لك حبّا ولي حبّا ، يأكل معي هذا الطائر ؛ فأتاه فأكل معه غيري؟ قالوا :

__________________

(١) صحيح مسلم ٧ : ١٢٠ / كتاب فضائل الصحابة ، وسنن الترمذي ٥ : ٣٠١ / كتاب الفضائل ، وخصائص النسائي : ٤٨ ـ ٤٩ ، والمستدرك ٣ : ١١٦ ، وكفاية الطالب : ٨٤ ـ ٨٥ ، وقال : هكذا رواه مسلم في صحيحه وغيره من الحفّاظ.

(٢) في «ر» : بغير.

(٣) في «ر» : طيّار.

٩٢

اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لأعطينّ الراية رجلا يحبّ الله ورسوله ، ويحبّه الله (١) ورسوله ، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه ؛ إذ رجع غيري منهزما ، غيري؟ (٢) ، قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لبني وليعة : لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلا نفسه كنفسي ، طاعته طاعتي ومعصيته معصيتي ، يفصلكم بالسيف ، غيري؟ ، قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كذب من زعم أنّه يحبّني ويبغض هذا ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة ، منهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، حيث جئت بالماء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من القليب ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد نودي به من السماء «لا سيف إلّا ذو الفقار ، ولا فتي إلّا علي» غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له جبرئيل : هذه هي المواساة ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه منّي وأنا منه ، فقال جبرئيل عليه‌السلام : وأنا منكما ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على لسان النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ غيري؟ (٣) قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي قاتلت على تنزيل القرآن ، وتقاتل على تأويل القرآن ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

__________________

(١) ليس في «ش ٢».

(٢) في «ش ١» و«ش ٢» : إذا رجع غيري؟

(٣) في «ر» : هل فيكم أحد يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله غيري؟

٩٣

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم (١) أحد ردّت عليه الشمس حتّى صلّى العصر في وقتها ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد أمره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأخذ براءة من أبي بكر ، فقال له أبو بكر : يا رسول الله ، أنزل فيّ شيء؟ فقال له : إنّه لا يؤدّي عنّي إلّا عليّ ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق ، (٢) غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، أتعلمون أنّه أمر بسدّ أبوابكم وفتح بابي ، فقلتم في ذلك ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما أنا سددت أبوابكم ولا أنا فتحت بابه ، بل الله سدّ أبوابكم وفتح بابه ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، أتعلمون أنّه ناجاني في يوم الطائف دون الناس فأطال ذلك ، فقلتم :

ناجاه دوننا!! فقال : ما أنا انتجيته ، بل الله انتجاه ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ ، يدور الحقّ مع عليّ كيفما دار؟ (٣) قالوا : اللهمّ نعم.

قال : فأنشدكم بالله ، أتعلمون أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ، لن تضلّوا ما استمسكتم بهما ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض؟ قالوا : اللهمّ نعم.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد وقى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المشركين بنفسه واضطجع في مضجعه غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد بارز عمرو بن ودّ العامري حيث دعاكم إلى البراز ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

__________________

(١) في «ش ١» : أفيكم.

(٢) في «ر» : كافر.

(٣) في «ر» : يزول الحقّ مع عليّ كيفما دار.

٩٤

قال : فأنشدكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه (١) آية التطهير حيث يقول (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (٢) ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله : أنت سيّد العرب (٣) ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا.

قال : فأنشدكم بالله ، هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما سألت الله شيئا إلّا سألت لك مثله ، غيري؟ قالوا : اللهمّ لا. (٤)

ومنها ما رواه أبو عمر الزاهد ، عن ابن عبّاس ، قال : لعليّ أربع خصال ليس لأحد من الناس غيره : هو أوّل عربي وعجميّ صلّى مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو الذي كان لواؤه معه في كلّ زحف ، وهو الذي صبر معه يوم حنين ، وهو الذي غسّله وأدخله قبره صلّى الله عليهما. (٥)

وعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : مررت ليلة المعراج بقوم تشرشر أشداقهم ، فقلت : يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال (هؤلاء الذين يقطعون الناس بالغيبة قال : مررت بقوم ضأضئوا فقلت :

يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال) (٦) : هؤلاء الكفّار ، قال : ثمّ عدلنا عن ذلك الطريق ، فلمّا انتهينا إلى السماء الرابعة رأيت عليّا يصلّي ، فقلت لجبرئيل : (يا جبرئيل) (٧) أهذا عليّ قد سبقنا؟ قال : لا ،

__________________

(١) في «ش ١» و«ش ٢» : نزل فيه.

(٢) الاحزاب : ٣٣.

(٣) في «ش ١» و«ش ٢» : المؤمنين.

(٤) مناقب الخوارزمي : ٣١٣ ـ ٣١٤ / الحديث ٣١٤. وأخرجها مناقبه : ٢٩٩ ـ ٣٠٢ / الحديث ٢٩٦ بلفظ قريب بسنده عن أبي ذر. وانظر مناقب ابن المغازلي : ١١٢ ـ ١١٨ / الحديث ١٥٥ ، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي : ٣٨٦ ـ ٣٨٦ مختصرا ، وقال : هكذا رواه الحاكم في كتابه. وتاريخ دمشق لابن عساكر ، ٣ : ٩١ / الحديث ١١٣٢.

(٥) مناقب الخوارزمي : ٥٨ / الحديث ٢٦ ، وشواهد التنزيل ١ : ١١٧ ـ ١١٨ / الحديث ١٢٨ وتاريخ دمشق ١ : ١٦١ / الحديث ٢٠٢.

(٦) ما بين القوسين سقط من «ر».

(٧) ما بين القوسين في «ر» فقط.

٩٥

ليس هذا عليّا. قلت : فمن هو؟ قال : إنّ الملائكة المقرّبين والملائكة الكرّوبيّين لمّا سمعت فضائل عليّ عليه‌السلام ، وبخاصة سمعت قولك فيه «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» ، اشتاقت إلى عليّ ، فخلق الله لها ملكا على صورة عليّ ، فإذا اشتاقت إلى عليّ نظرت إلى ذلك الملك ، فكأنّها قد رأت عليّا عليه‌السلام. (١)

وعن ابن عبّاس ، قال : إنّ المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال ذات يوم وهو نشيط : أنا الفتى ابن الفتى أخو الفتى!

قال : فقوله «أنا الفتى» يعنى هو فتى العرب بإجماع ، أي سيّدها وقوله «ابن الفتى» يعني إبراهيم الخليل عليه‌السلام ؛ من قوله عزوجل (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) (٢) ، وقوله «أخو الفتى» يعني عليّا عليه‌السلام ، وهو قول جبرئيل عليه‌السلام في يوم بدر ، وو قد عرج إلى السماء بالفتح ، وهو فرح ، وهو يقول : لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ (٣).

__________________

(١) كفاية الطالب للكنجي الشافعي : ١٣١ ـ ١٣٣ / الباب ٢٦ «في شوق الملائكة والجنّة إلى عليّ عليه‌السلام واستغفار هم لمحبيه» ، بسنده عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : مررت ليلة أسري بي إلى السماء ، فإذا أنا بملك جالس على منبر من نور والملائكة تحدق به ، فقلت : يا جبرئيل من هذا الملك؟ قال : ادن منه وسلّم عليه ، فدنوت منه وسلّمت عليه ، فإذا أنا بأخي وابن عمّي عليّ بن أبي طالب. فقلت : يا جبرئيل سبقني عليّ إلى السماء الرابعة؟! فقال لي يا محمّد ، لا ، ولكنّ الملائكة شكت حبّها لعليّ ، فخلق الله تعالى هذا الملك من نور على صورة عليّ ، فالملائكة تزوره في كلّ ليلة جمعة ويوم جمعة سبعين ألف مرّة ، يسبّحون الله ويقدّسونه ويهدون ثوابه لمحبّ عليّ. ثم قال الحافظ الكنجي : هذا حديث حسن عال لم نكتبه إلّا من هذا الوجه ، تفرّد به يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس وهو ثقة. وروى حديثا مختصرا آخر عن أنس في شوق الملائكة والجنّة إلى عليّ عليه‌السلام.

(٢) الأنبياء : ٦٠.

(٣) روى نداء المنادي ب (لا سيف إلّا ذو الفقار ولا فتى إلّا عليّ) :

ابن المغازلي في مناقبه : ١٩٧ / الحديث ٢٣٤ بسنده عن أبي رافع ، والقندوزي في ينابيع المودّة ٢ : ٢٩١ / الباب ٥٦ عن أبي رافع ، و ٢ : ١٦٦ / الباب ٥٦ عن الباقر عليه‌السلام ، و ١ : ٤٣٤ / الباب ٥٠ عن أبي ذر ، و ١ : ٢٤ / الباب ١٥ عن الحسين عليه‌السلام.

والحمويني في فرائد السمطين ٢ : ٢٥١ / الحديث ١٩٤ عن أبي رافع ، والخوارزمي في المناقب : ١٦٧ / الحديث

٩٦

وعن ابن عبّاس قال : رأيت أبا ذر وهو متعلّق بأستار الكعبة ، وهو يقول : من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر ، لو صمتم حتّى تكونوا كالأوتار ، وصلّيتم حتى تكونوا كالحنايا ، ما نفعكم ذلك حتّى تحبّوا عليّا عليه‌السلام. (١)

ومنها ما نقله صاحب الفردوس في كتابه : عن معاذ ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : حبّ عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام حسنة لا تضرّ معها سيّئة ؛ وبعضه سيّئة لا تنفع معها حسنة. (٢)

وعن ابن مسعود ، قال : حبّ آل محمّد خير من عبادة سنة ، ومن مات عليه دخل الجنّة. (٣)

وعن أنس ، قال : كنت جالسا مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أقبل عليّ فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا وهذا حجّة الله على خلقه. (٤)

وعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : لو اجتمع الناس على حبّ عليّ ، لم يخلق الله النار. (٥)

ومنها ما رواه أبو عبد الله الحافظ الشافعي بإسناده عن أبي برزة ، قال : قال

__________________

٢٠٠ عن جابر بن عبد الله ، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب : ٢٧٧ ـ ٢٨٠ ، / الباب ٦٩ روى ثمانية أحاديث عن الباقر عليه‌السلام وحديثا عن جابر بن عبد الله.

(١) أورده المجلسي في بحار الأنوار ٣٢ : ٣١٠ بسنده عن ابن عباس ، قال : رأيت أبا ذر الغفاري متعلّقا بحلقة بيت الله الحرام وهو يقول ... الحديث مفصّلا.

وروى ابن المغازلي في المناقب : ٢٩٧ / الحديث ٣٤٠ بسنده عن جابر بن عبد الله حديثا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وفيه : يا عليّ لو أنّ أمّتي صاموا حتّى يكونوا كالحنايا ، وصلّوا حتى يكونوا كالأوتار ، وبغضوك لأكبّهم الله في النار.

ورواه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب : ٣١٧ ـ ٣١٨ / الباب ٨٧ بلفظ ابن المغازلي.

(٢) الفردوس للديلمي ٢ : ١٤٢ / الحديث ٢٧٢٥.

(٣) الفردوس ٢ : ١٤٢ / الحديث ٢٧٢١.

(٤) لم أعثر عليه في الفردوس المطبوع ، وقد أخرجه القندوزي في ينابيع المودّة ٢ : ٢٤٩ / الباب ٥٦ وقال : رواه صاحب الفردوس والإمام أحمد ، وابن المغازلي في المناقب : ٤٥ و ١٦٧ / الحديث ٦٧ بسنده عن أنس.

ورواه المحبّ الطبري في ذخائر العقبى : ٧٧ باختلاف في اللفظ ، وقال : أخرجه النقّاش.

(٥) الفردوس ٣ : ٣٧٣ / الحديث ٥١٣٥.

٩٧

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله عهد إليّ عهدا في عليّ ، فقلت : يا ربّ بيّنه لي ، فقال : اسمع! فقلت : سمعت ، فقال : إنّ عليّا راية الهدى وإمام الأولياء ، ونور من أطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين ، من أحبّه أحبّني ، ومن أبغضه أبغضني ، فبشّره بذلك! فجاء عليّ فبشّرته ، فقال : يا رسول الله! أنا عبد الله في قبضته ، فإن يعذّبني فبذنوبي ، وإن يتمّ لي الذي بشّر تني به فالله أولى بي ، قال : فقلت : اللهمّ اجل قلبه ، واجعل ربيعه الإيمان! فقال الله عزوجل : فقد فعلت به ذلك. ثمّ إنّه رفع إليّ أنّه سيخصّه من البلاء بشيء لم يخصّ به أحد من أصحابي ، فقلت : يا ربّ ، أخي وصاحبي ، فقال : إنّ هذا شيء قد سبق ، إنّه مبتلى ومبتلى به ورواه صاحب كتاب «حلية الأولياء» (١)

وعن عمّار بن ياسر ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أوصي من آمن بي وصدّقني بولاية عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، من تولّاه فقد تولّاني ، ومن تولّاني فقد تولّى الله عزوجل. (٢)

وعن ابن عبّاس ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عليّ من سبّك فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله أكبّه على منخريه في النار. (٣)

والأخبار الواردة من قبل المخالفين أكثر من أن تحصى ، لكن اقتصرنا في هذا المختصر على هذا القدر.

وأمّا المطاعن في الجماعة : فقد نقل أتباعهم الجمهور منها شيئا كثيرا ، حتّى صنّف الكلبي كتابا كلّه في مثالب الصحابة ، ولم يذكر فيه منقصة واحدة لأهل البيت عليهم‌السلام.

__________________

(١) حلية الأولياء ١ : ٦٦ ، ومناقب ابن المغازلي : ٤٦ ـ ٤٧ / الحديث ٦٩ ، وشرح النهج ٩ : ١٦٧ / الخطبة ١٥٤ ، وينابيع المودّة ٢ : ٤٨٥ / الباب ٥٩.

(٢) الفردوس للديلمي ١ : ٤٢٩ / الحديث ١٧٥١ ، وينابيع المودّة ٢ : ٢٤٦ / الباب ٥٦ ، وقال : رواه صاحب الفردوس. ومناقب ابن المغازلي : ٢٣٠ / الحديث ٢٧٧ ـ ٢٧٩.

(٣) مسند أحمد ٦ : ٣٢٣ / الحديث ٢٦٢٠٨ بسنده عن أم سلمة مختصرا ، والمستدرك للحاكم ٣ : ١٢١ ، والصواعق المحرقة : ١٢٣ ، وذخائر العقبى : ٦٦ ، وقال : أخرجه أبو عبد الله الحلاني. وقال : وخرّج الإمام أحمد منه من حديث أمّ سلمة : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من سبّ عليّا فقد سبّني.

٩٨

وقد ذكر غيره منهم أشياء كثيرة ، ونحن نذكر شيئا يسيرا منها.

منها ما رووه عن أبي بكر أنّه قال على المنبر : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعصم بالوحي ، وإنّ لي شيطانا يعتريني ، فإن استقمت فأعينوني ، وإن زغت فقوّموني. (١)

وكيف تجوز إمامة من يستعين بالرعيّة على تقويمه ، مع أنّ الرعيّة تحتاج إليه؟!

وقال : أقيلوني فلست بخيركم! (٢) فإن كانت إمامته حقّا ، كانت استقالته منها معصية ، وإن كانت باطلة ، لزم الطعن. وقال عمر : كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. (٣)

ولو كانت إمامته صحيحة لم يستحقّ فاعلها القتل ، فيلزم تطرّق الطعن إلى عمر ، وإن كانت باطلة ، لزم الطعن عليهما معا. وقال أبو بكر عند موته : ليتني كنت سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل للأنصار في هذا الأمر حقّ؟ (٤) وهذا يدلّ على أنّه في شكّ من إمامته ، ولم تقع صوابا. وقال عند احتضاره : ليت أمّي لم تلدني! يا ليتني كنت تبنة في لبنة!! (٥)

مع أنّهم نقلوا عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : ما من محتضر يحتضر إلّا ويرى مقعده من الجنّة أو النار.

وقال أبو بكر : ليتني في ظلّة بني ساعدة ضربت يدي على يد أحد الرجلين ، وكان

__________________

(١) تاريخ الطبري ٢ : ٤٤٠ ، والمعجم الأوسط للطبراني ٩ : ٢٧١ / الحديث ٨٥٩٢ بسنده عن زيد بن عطية ، وطبقات ابن سعد ٣ : ١٢٩ ، والإمامة والسياسة لابن قتيبة : ٦ ، والصواعق المحرقة : ١٠ ـ ١١ ، ومجمع الزوائد ٥ : ١٨٣ عن الطبراني في الأوسط.

(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٣ : ١٧١ ، وتاريخ بغداد ٩ : ٣٧٣ ، والصواعق المحرقة : ١١ ، ومجمع الزوائد ٥ : ١٨٣.

(٣) صحيح البخاري ٨ : ٢١٠ / كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة ـ باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

والفائق : ١٣٩٣ ، مادة «فلت» ، والنهاية لابن الأثير ٣ : ٤٦٧ ، مادة «فلت» والصواعق المحرقة : ٨ و ١١ و ١٣ و ٣٦ ، وشرح النهج ٢ : ١٤٥ قال : ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم وقال : إنّ بيعتي كانت فلتة وقى الله شرّها وخشيت الفتنة ... إلى آخر كلامه.

(٤) تاريخ الطبري ٤ : ٥٢.

(٥) الصراط المستقيم للعلامة البياضي ٢ : ٢٩٩.

٩٩

هو الأمير وكنت الوزير! (١) وهو يدلّ على أنّه لم يكن صالحا يرتضي نفسه للإمامة.

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرض موته مرّة بعد أخرى ، مكررا لذلك «أنفذوا جيش أسامة! لعن الله المتخلّف عن جيش أسامة»! وكان الثلاثة معه ، ومنع أبو بكر عمر من ذلك. (٢)

وأيضا لم يولّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا بكر عملا البتة في وقته ، بل ولى عليه عمرو بن العاص تارة ، وأسامة أخرى ، ولمّا نفده بسورة براءة ردّه بعد ثلاثة أيّام بوحي من الله تعالى وكيف يرتضي العاقل إمامة من لا يرتضيه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوحي من الله تعالى لأداء عشر آيات من براءة؟!

وقطع [أبو بكر] يسار سارق ، ولم يعلم أنّ القطع لليد اليمنى ؛ وأحرق الفجاءة السلمي بالنار وقد نهى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الإحراق بالنار ، وقال : لا يعذّب بالنار إلّا ربّ النار (٣). وخفي عليه أكثر أحكام الشريعة ، فلم يعرف حكم الكلالة ، وقال : أقول فيها برأيي ، فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان. (٤)

وقضى في الجدّ سبعين قضيّة ، وهو يدلّ على قصوره في العلم. فأيّ نسبة له إلى من قال : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن طرق السماء فإنّي أعرف بها من طرق الأرض (٥)؟

قال أبو البحتري : رأيت عليّا عليه‌السلام صعد المنبر بالكوفة وعليه مدرعة كانت

__________________

(١) تاريخ الطبري ٤ : ٥٢ ، حوادث سنة ٥١٣ ، وميزان الاعتدال ٢ : ٢١٥.

(٢) طبقات ابن سعد ٢ : ١٩٠ ، والصراط المستقيم ٢ : ٢٩٦ ـ ٢٩٧ ، عن الطبري في المسترشد ، وعن الواقدي ، والبلاذري في تاريخه.

(٣) مسند أحمد ٣ : ٤٩٤ ، والاستيعاب ٣ : ٦٠٩ في ترجمة هبار بن الأسود بن المطلب الذي عرض لزينب بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونخسها فألقت ذا بطنها ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إن وجدتم هبارا فاحرقوه بالنار. ثمّ قال : اقتلوه فإنّه لا يعذّب بالنار إلّا ربّ النار ... الخ.

وتجد تأسفه على إحراق الفجاءة السلمي في تاريخ الطبري ٤ : ٥٢ ، والإمامة والسياسة : ١٨ ، ومروج الذهب ١ : ٤١٤.

(٤) تفسير الطبري ٦ : ٣٠ ، وتفسير ابن كثير ١ : ٢٦٠.

(٥) انظر الغدير ٦ : ٢١٥ ـ ٢١٨.

١٠٠