🚘

منهاج الكرامة في معرفة الإمامة

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

منهاج الكرامة في معرفة الإمامة

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: عبدالرحيم مبارك
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مؤسسة عاشوراء للتحقيقات والبحوث الإسلامية
الطبعة: ١
ISBN: 964-90423-6-9
الصفحات: ٢١٦
🚘 نسخة غير مصححة

فأراد (١) أن يزوّجه ابنته (٢) أمّ الفضل ، وكان قد زوّج أباه الرضا عليه‌السلام بابنته أم حبيب فغلظ ذلك على العبّاسيين واستكبروه ، وخافوا أن يخرج الأمر منهم ، وأن يتابعه كما تابع أباه (٣) ، فاجتمع الأدنون منه وسألوه ترك ذلك ، وقالوا إنّه صغير (٤) لا علم عنده ، فقال : أنا أعرف به ، فإن شئتم فامتحنوه ؛ فرضوا بذلك ، وجعلوا ليحيى (٥) بن أكثم مالا كثيرا على امتحانه في مسألة يعجزه (٦) فيها ، فتواعدوا إلى يوم ، فأحضره المأمون ، وحصر القاضي وجماعة العبّاسيين ، فقال القاضي : أسألك عن شيء؟ فقال له عليه‌السلام : سل (٧).

فقال : ما تقول في محرم قتل صيدا؟ فقال له الإمام عليه‌السلام (٨) : أقتله في حلّ أو حرم؟ عالما كان أو جاهلا؟ مبتدئا بقتله أو عائدا؟ من صغار الصيد كان أو (٩) من كبارها؟ عبدا كان المحرم أو حرّا؟ صغيرا كان أو (١٠) كبيرا؟ من ذوات الطير كان الصيد أو (١١) من غيرها؟

فتحيّر يحيى بن أكثم وبان العجز في وجهه ، حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره فقال المأمون لأهل بيته : عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟! ثمّ أقبل على الإمام فقال :

__________________

(١) في «ش ١» و«ش ٢» : وأراد.

(٢) في «ر» : بنته.

(٣) في «ش ١» و«ش ٢» : يبايعه كما بايع أباه.

(٤) في «ر» : وقالوا إنّه صغير السن.

(٥) في «ش ١» : فرضوا بذلك وجعلوا للقاضي يحيى.

في «ش ٢» : فرضوا وجعلوا للقاضي يحيى.

(٦) في «ش ٢» : يعجز.

(٧) في «ش ١» : فقال سل عمّا بدا لك.

في «ش ٢» : فقال له سل عما بذلك.

(٨) في «ش ٢» : فقال الإمام عليه‌السلام.

(٩) في «ش ٣» : أم.

(١٠) في «ش ٢» و«ر» : أم.

(١١) في «ش ٢» : أم.

٦١

أتخطب؟ فقال (١) : نعم. فقال (٢) اخطب لنفسك خطبة النكاح ، فخطب (٣) وعقد على خمسمائة درهم جيادا مهر جدّته فاطمة عليها‌السلام ، ثمّ تزوّج بها (٤).

وكان ولده عليّ الهادي عليه‌السلام ، ويقال له : العسكريّ ؛ لأنّ المتوكّل أشخصه من المدينة إلى بغداد ، ثمّ منها إلى سرّ من رأى ، فأقام بموضع عندها يقال له : العسكر ، ثم انتقل إلى سرّ من رأى فأقام (٥) بها عشرين سنة وتسعة أشهر ، وإنّما أشخصه المتوكّل لأنّه كان يبغض عليّا عليه‌السلام (٦) ، فبلغه مقام عليّ بالمدينة وميل الناس إليه ، فخاف منه ، فدعا يحيى بن هرثمة

__________________

(١) في «ش ١» : أتخطب؟ قال.

في «ش ٢» : اخطب ، فقال.

(٢) سقطت الكلمة من «ش ٢».

(٣) في «ش ٢» : وخطب.

(٤) الفصول المهمة : ٢٦٧ ـ ٢٧٠ ، وقد اختصر أسئلة يحيى بن أكثم ، تذكرة الخواص : ٣٥٩ ، قال : والإماميّة تروي خبرا طويلا فيه أنّ المأمون لمّا زوّجه كان عمر محمد الجواد سبع سنين وأشهر ، وأنّه هو الذي خطب خطبة النكاح ، وأنّ العباسيين شغبوا على المأمون ، ورشوا القاضي يحيى بن أكثم حتّى وضع مسائل ليخطّئ بها محمّد الجواد ويمتحنه ، وأنّ الجواد خرج عن الجميع. ارشاد المفيد : ٣١٩ ـ ٣٢٣ مفصلا ، بسنده عن الريّان بن شبيب ، اثبات الوصيّة للمسعودي : ١٨٨ ـ ١٩١ ، اعلام الورى : ٣٥١ ـ ٣٥٤ ، الاحتجاج ٢ : ٤٤٣ ـ ٤٤٦.

(٥) العبارة بين القوسين ساقطة من «ش ٢».

(٦) وهو الّذي أمر بهدم قبر الإمام الحسين عليه‌السلام فقال فيه الشعراء

تا الله إن كانت أميّة قد أتت

قتل ابن بنت نبيّها مظلوما

فلقد أتته بنو أبيه بمثله

هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

في قتله فتتّبعوه رميا

وهو الذي يقف شاعره مروان بن أبي الجنوب فينشده شعرا ينال فيه من آل عليّ عليه‌السلام ويذمّ شيعتهم ، فيأمر المتوكّل أن ينثر على رأسه ثلاثة آلاف دينار ويعقد له على أمارة البحرين واليمامة ويخلع عليه أربع خلع (أنظر الكامل في التاريخ ٧ : ٣٨). وهو الذي لمّا بلغه أنّ نصر بن عليّ حدّث أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أخذ بيد حسن وحسين فقال : من أحبّني وأحبّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة ، أمر بضربه ألف سوط. (انظر تاريخ بغداد ١٣ : ٢٨٧ ـ ٢٨٨). وهو الذي أمر عمر بن الفرج الرخجي عامله على المدينة ومكّة بتشديد الوطأة على العلويّين ، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويّات يصلّين فيه الواحدة بعد الأخرى ، ثم يرقّعنه

٦٢

فأمره (١) بإشخاصه ، فضجّ أهل المدينة لذلك خوفا عليه ، لأنّه كان محسنا إليهم ، ملازما للعبادة في المسجد ، فحلف لهم يحيى أنه لا مكروه عليه ، ثمّ فتّش منزله فلم يجد فيه سوى مصاحف وأدعية وكتب العلم (٢) ، (فعظم في عينه (٣)) وتولّى خدمته بنفسه ، فلمّا قدم بغداد بدأ بإسحاق بن إبراهيم الطاهري (٤) والي بغداد ، فقال له :

يا يحيى ، هذا الرجل قد ولده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمتوكّل من تعلم ، فإن حرّضته (٥) عليه قتله ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خصمك (٦). فقال له يحيى : والله ما وقعت منه إلّا على خير.

__________________

ويجلسن على مغاز لهنّ عواري حواسر (انظر مقاتل الطالبين : ٥٩٩).

قال جرجي زيدان في «تاريخ التمدّن الإسلامي» ٥ : ١٢٠ ضمن كلامه عن السخاء على الشعراء والمغنّين : «وفاقهم المتوكّل في ذلك ، لأنّه أعطى حسين بن الضحّاك ألف دينار عن كلّ بيت من قصيدة قالها ، وهو أوّل من أعطى ذلك».

وقال في ص ١٢٤ من كتابه المذكور : «وكتب التاريخ والأدب مشحونة بأخبار مجالس الشراب ، وهي في الغالب مجالس الغناء ، ويندر أن يترفّع خليفة أو وزير عنها ، ومن أكثر العبّاسيين رغبة فيها : الهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكّل ..»

ولو لا الخوف من الإطالة ، لنقلت ما جاء في كتب التواريخ والسيرة والأدب عن ظلمه وإسرافه و

خلاعته وفسقه وفجوره ، لكنّي أكتفي في هذه العجالة بما قاله ابن الأثير في الكامل ٧ : ١١٥ :

وذكر أنّ المنتصر كان شاور في قتل أبيه (المتوكّل) جماعة من الفقهاء ، وأعلمهم بمذاهبه ، وحكى عنه أمورا قبيحة كرهت ذكرها ، فأشاروا بقتله ، فكان كما ذكرنا بعضه.

ولا أدري لم كره ابن الأثير المورّخ ذكر الأمور القبيحة التي حكاها المنتصر للفقهاء عن أبيه حتّى أشاروا بقتله ، بينما يفيض في نقل سواها من أخبار المطربات والمغنّيات والمهرّجين؟! قاتل الله العصبيّة! وقد صدق من قال : حبّك الشيء يعمي ويصمّ!

(١) في «ش ١» : وأمره.

(٢) في «ش ٢» : المصاحف وكتب الأدعية والعلم.

(٣) ما بين القوسين سقط من «ش ١».

(٤) في «ش ١» : الطائي.

(٥) في «ش ١» : تحرّضه. في «ش ٢» : حرّضت.

(٦) في «ش ١» و«ش ٢» : خصمك يوم القيامة.

٦٣

قال : فلمّا دخلت على المتوكّل أخبرته بحسن سيرته وزهده وورعه (١) ، فأكرمه المتوكل (٢). ثمّ مرض المتوكّل فنذر إن عوفي تصدّق (٣) بدراهم كثيرة ، فسأل الفقهاء عن ذلك ، فلم يجد عندهم جوابا ، فبعث إلى عليّ الهادي عليه‌السلام يسأله (٤) ، فقال : تصدّق بثلاثة وثمانين درهما فسأله المتوكّل عن السبب ، فقال : لقوله تعالى : (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ) (٥) ؛ وكانت المواطن هذه الجملة ، فإنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غزا سبعا وعشرين غزاة ، وبعث سنا وخمسين سريّة. (٦)

قال المسعودي : نمي إلى المتوكّل بعليّ بن محمد أنّ في منزله سلاحا من شيعته من أهل قم ، وأنّه عازم على الملك ؛ فبعث إليه جماعة من الأتراك ، فهجموا على داره ليلا فلم يجدوا شيئا (٧) ، ووجدوه في بيت مغلق عليه ، وهو يقرأ (٨) وعليه مدرعة من صوف ، وهو جالس على الرمل والحصباء (٩) ، متوجّه إلى الله تعالى يتلو القرآن ، فحمل على حالته تلك إلى المتوكّل ، فأدخل عليه وهو في مجلس الشراب (١٠) ، والكأس في يد المتوكّل ، فأعظمه (١١) وأحلسه إلى جانبه (١٢) وناوله الكأس ، فقال : والله ما حامر لحمي ودمي قطّ فاعفني (١٣)!

__________________

(١) في «ش ٢» : بحسن ورعه وزهده.

(٢) تذكرة الخواص : ٣٥٩ ـ ٣٦٠ ، مروج الذهب ٤ : ٨٤ ـ ٨٥ ، الفصول المهمّة. ٢٧٩ ـ ٢٨١.

(٣) في «ش ٢» : أن يتصدّق.

(٤) في «ش ١» و«ش ٢» : وسأله.

(٥) التوبة : ٢٥.

(٦) تذكرة الخواص : ٣٦٠ ، مناقب ابن شهرآشوب ٤ ؛ ٤٠٢ ، بحار الأنوار ٥٠ : ١٦٢ ـ ١٦٣.

(٧) في «ر» : فلم يجدوا فيها شيئا.

(٨) في «ش ١» : وهو يقرأ القرآن.

(٩) في «ش ١» و«ش ٢» : الحصى.

(١٠) في «ش ٢» : وهو جالس في الشراب.

(١١) في «ش ١» و«ش ٢» : فعظّمه.

(١٢) في «ش ٢» : جانب.

(١٣) سقطت من «ش ١».

٦٤

فأعفاه. وقال له : أسمعني صوتا ، فقال عليه‌السلام : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (١) ... الآيات ؛ فقال : أنشدني شعرا ، فقال : إنّي قليل الرواية للشعر ، فقال : لا بدّ من ذلك ، فأنشده (٢) :

باتوا على قلل الأجبال (٣) تحرسهم

غلب الرّجال فما أغنتهم القلل

واستنزلوا بعد عزّ من (٤) معاقلهم

وأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد دفنهم

أين الأساور والتّيجان والحلل

أين الوجوه الّتي كانت منعّمة

من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين سائله (٥)

تلك الوجوه عليها الدّود يقتتل

قد طالما أكلوا دهرا وقد شربوا

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا

فبكى المتوكّل حتّى بلّت دموعه لحيته (٦).

وكان ولده الحسن العسكري عليه‌السلام عالما فاضلا زاهدا أفضل أهل زمانه (٧) ، روت عنه العامّة كثيرا.

وولده مولانا الإمام المهديّ محمّد عليه‌السلام (٨) ؛ روى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي (٩) وكنيته كنيتي ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ، فذلك هو المهديّ (١٠).

__________________

(١) الدخان : ٢٥.

(٢) في «ش ١» : فأنشد.

(٣) في «ش ١» و«ش ٢» : الجبال.

(٤) في «ش ١» و«ش ٢» : عن.

(٥) في «ش ١» : ساءلهم.

(٦) مروج الذهب ٤ : ١١١ ، وتذكرة الخواص : ٣٦١ ، ونور الأبصار للشبلنجي : ١٥٠.

(٧) في «ش ٢» : أفضل زمانه.

(٨) في «ر» : وولد مولانا الامام المهدي محمّدا.

(٩) في «ش ٢» : اسمي.

(١٠) تذكرة الخواص : ٣٦٣ ـ ٣٦٤.

٦٥

فهؤلاء الأئمّة المعصومون (١) الذين بلغوا الغاية (٢) في الكمال ، ولم يتّخذوا ما اتّخذ غيرهم من الأئمّة المشتغلين (٣) بالملك وأنواع المعاصي والملاهي وشرب الخمور ، والفجور حتّى بأقاربهم (٤) على ما هو المتواتر من الناس.

قالت الإماميّة : فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء وهو خير الحاكمين ، وما أحسن قول بعض الناس :

__________________

وقد تواترت الأخبار بظهور المهدي عليه‌السلام وخروجه في آخر الزمان ، وبأنّه من ولد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن ولد فاطمة عليها‌السلام ومن ولد عليّ عليه‌السلام ومن ولد الحسين عليه‌السلام ، وبأنّه التاسع من ولد الحسين عليه‌السلام. ولم تختصّ هذه الأخبار بالشيعة دون السنّة ، فقد رواها أعاظم علماء السنّة فضلا عن علماء الشيعة ، كالبخاري في صحيحه وتاريخه الكبير ، ومسلم في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، وابن ماجة في سننه ، وأبي داود في سننه ، والترمذي في جامعه ، والطبراني فى معاجمه الثلاثة : الصغير والأوسط والكبير ، والحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين ، والطيالسي في مسنده ، وعبد الرزاق الصنعاني في الصنف ، الحيدي في مسنده ، وابن أبي شيبة في المصنّف ، والحميدي في الجمع بين الصحيحين ، وأبي يعلى الموصلي فى مسنده ، والبزار في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، والبيهقي في «البعث والنشور» ، والديلمي فى فردوس الأخبار ، والبغوي في مصابيح السنّة ، وابن الأثير في جامع الأصول ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، والسيوطي في الدر المنثور والجامع الصغير والعرف الوردي ، والمتقي الهندي في كنز العمال ، وعبد الغني النابلسي في ذخائر المواريث ، وأبي نعيم الاصبهاني في أخبار اصبهان ، ومنصور علي ناصف في التاج الجامع ، وكثير غيرهم.

كما صنّفت في موضوعه كتب كثيرة منها : الفتن لنعيم بن حمّاد المروزي ؛ والملاحم لأحمد بن جعفر البغدادي ؛ ابن المنادي ، والسن لعثمان بن سعيد الداني ، وعقد الدرر في أخبار المنتظر للشافعي السلمي ، والبيان للكنجي الشافعي ، والبرهان للمتقي الهندي ، والعرف الوردي في أخبار المهدي للسيوطى ، والشرب الوردي في مذهب المهدي للهروي الحنفي القاري ، وفرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر لمرعي بن يوسف الحنبلي ، ومناقب المهدي لأبي نعيم الاصبهاني ، والإشاعة للبرزنجي ، وغيرها.

(١) في «ش ١» : وهؤلاء الأئمة الفضلاء المعصومون.

(٢) في «ش ٢» : العلية.

(٣) في «ش ٢» : الأئمة المتغلّبين المشتغلين.

(٤) في «ش ١» : أتوا ربّهم.

٦٦

إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا

وتعلم أنّ الناس في نقل أخبار

فدع عنك قول الشافعيّ ومالك

وأحمد (١) والمرويّ عن كعب أحبار

ووال أناسا (٢) قولهم وحديثهم

روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري

وما أظنّ أحدا من المحصّلين (٣) وقف على هذه المذاهب (٤) ، فاختار غير مذهب الإماميّة باطنا ، وإن كان في الظاهر يصير إلى غيره طلبا للدنيا ، حيث وضعت لهم المدارس والربط والأوقاف حتّى تستمرّ لبني العبّاس الدعوة ، ويشيّدوا (٥) للعامّة اعتقاد إمامتهم.

وكثيرا ما رأينا من يدين (٦) في الباطن بمذهب الإماميّة ، ويمنعه عن إظهاره حبّ الدنيا وطلب الرئاسة ، وقد رأيت بعض أئمّة الحنابلة (٧) يقول : إنّي على مذهب الإماميّة ، فقلت له : لم تدرس على مذهب الحنابلة؟ فقال : ليس في مذهبكم البغلات (٨) والمشاهرات (٩). وكان أكبر مدرّسي الشافعيّة في زماننا حيث (١٠) توفّي أوصى بأن يتولّى أمره في غسله وتجهيزه بعض المؤمنين ، وأن يدفن في مشهد الكاظم عليه‌السلام ، وأشهد عليه (١١) أنّه على دين الإماميّة.

__________________

(١) في «ر» : قول الشافعي وأحمد ـ ومالك.

(٢) في «ش ٢» : رجالا.

(٣) في «ش ١» : المخلصين.

(٤) في «ش ١» : هذا المذهب.

(٥) في «ش ١» : يشتد.

(٦) في «ش ١» و«ش ٢» : يتديّن.

(٧) في «ر» : بعض الحنابلة.

(٨) في «ش ٢» : الغلات.

(٩) في «ر» : المسامرات.

(١٠) في «ش ٢» : حين.

(١١) ليست في «ش ٢».

٦٧

الخامس :

إنّ الإماميّة لم يذهبوا إلى التعصّب في غير الحقّ (١) ، فقد ذكر الغزالي والمتولي (٢) وكانا إمامين للشافعيّة ـ أنّ تسطيح القبور هو المشروع ، لكن لمّا جعلته (٣) الرافضة شعارا لهم ، عدلنا عنه (٤) إلى التسنيم (٥).

وذكر الزمخشري ـ وكان من أئمة الحنفيّة ـ في تفسير قوله تعالى (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ) (٦) أنّه يجوز بمقتضى هذه الآية أن يصلّى على آحاد المسلمين ، لكن لمّا اتّخذت الرافضة ذلك في أئمّتهم ، منعناه (٧).

وقال مصنّف الهداية من الحنفيّة : المشروع التختّم في اليمين ، لكن لمّا اتّخذته الرافضة عادة ، جعلنا التختم في اليسار ؛ وأمثال ذلك كثير (٨).

__________________

(١) في «ش ١» و«ش ٢» زيادة : بخلاف غيرهم.

(٢) في «الصراط المستقيم» للبياضي : المزني.

(٣) في «ش ٢» : جعله.

(٤) في «ش ١» : عنهم.

(٥) ذكره البياضي العاملي في الصراط المستقيم ٣ : ٢٠٦ نقلا عن الغزالي في «الذخيرة» والمزني.

(٦) الأحزاب : ٤٣.

(٧) انظر تفسير الكشاف ٣ : ٥٥٨ في تفسير الآية ٥٦ من سورة الأحزاب.

(٨) الصراط المستقيم ٣ : ٢٠٦ ، وقال :

«وقال الكنجي في «كفاية الطالب» إن عليّا كان يتختّم باليمين. وقال الترمذي والسجستاني وابن حنبل وابن ماجة وأبو يعلى المحتسب والسلمي والبيهقي ، وهو في صحيحي مسلم والبخارى : إنّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والعترة والصحابة تختّموا في أيمانهم. وعدّ الجاحظ في كتاب «نقوش الخواتيم» أنّ الأنبياء من آدم إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تختّموا في أيمانهم. وخلعه ابن العاص من يمينه ولبسه في شماله وقت التحكيم. وذكر الراغب في «المحاضرات» أنّ أوّل من تختّم في اليسار معاوية ، فلبس المخالف في شماله علامة ضلالته باستمراره على خلع عليّ من إمامته. انتهى كلامه.

وقال الزمخشري فى ربيع الأبرار ٥ : ٢٤ : ذكر السلامي (وهو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمّد المخزومي) أنّ

٦٨

فانظر إلى من يغيّر الشريعة ويبدّل الأحكام التي ورد بها (١) النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويذهب (٢) إلى ضدّ الصواب ؛ معاندة لقوم معيّنين ، هل يجوز اتّباعه والمصير إلى أقواله؟ مع أنّهم ابتدعوا أشياء اعترفوا بأنّها بدعة ، وأنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : كلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة فإنّ مصيرها إلى النار (٣) ؛ وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد عليه (٤) ، ولو ردّوا عنها كرهته نفوسهم ونفرت قلوبهم ، كذكر الخلفاء في خطبتهم ، مع أنّه بالإجماع لم يكن في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا في زمن أحد من الصحابة والتابعين ، ولا في زمن بني أميّة ، ولا في صدر ولاية العباسيّين ، بل هو شيء أحدثه المنصور لما وقع بينه وبين العلويّة ، فقال : والله لأرغمنّ أنفي وأنوفهم ، وأرفع عليهم بني تيم وعدي ، وذكر الصحابة في خطبته ، واستمرّت هذه البدعة

__________________

ـ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يتختّم في يمينه والخلفاء بعده ، فنقله معاوية إلى اليسار ، فأخذ المروانيّة بذلك ، ثمّ نقله السفّاح إلى اليمين فبقي إلى أيّام الرشيد ، فنقله إلى اليسار ، فأخذ الناس بذلك.

وروي عن عمرو بن العاص أنّه سلّه يوم التحكيم من يده اليمنى وجعله في اليسرى ، وقال : خلعت عليّا من الخلافة كما خلعت خاتمي من يميني ، وجعلتها إلى معاوية كما أدخلت خاتمي في يساري.

ثم روى الزمخشري في ربيع الابرار ٥ : ٢٤ عن عائشة أنّها قالت : كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يتختّم في يمينه ، وقبض صلى‌الله‌عليه‌وآله والخاتم في يمينه. وروى في ص ٢٨ عن جابر بن عبد الله ، قال : تختّم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في يمينه.

(١) في «ش ١» : أوردها.

(٢) في «ش ٢» : وذهب.

(٣) بحار الأنوار ٢ : ٤٠١ عن أمالي الطوسي ، بسنده عن جابر بن عبد الله : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال في خطبة له إنّ أحسن الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكلّ بدعة محدثة ، وكلّ بدعة ضلالة ... الحديث.

وفي ٢ : ٣٠٩ منه ، عن مجالس المفيد ، بسنده عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام ، قال : صعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المنبر فتغيّرت وجتناه والتمع لونه ، ثمّ أقبل بوجهه فقال : أيّها المسلمين ، إنّما بعثت أنا والساعة كهاتين ـ قال : ثمّ ضمّ السبّاحتين ـ ثم قال : يا معشر المسلمين ، إنّ أفضل الهدى هدى محمّد ، وخير الحديث كتاب الله ، وشرّ الأمور محدثاتها ، ألا وكلّ بدعة ضلالة ، ألا وكلّ ضلالة ففي النار ... الحديث.

(٤) المبسوط للسرخسيّ ٢ : ٤٠.

٦٩

إلى هذا الزمان (١).

وكمسح الرجلين الذي نصّ عليه الله تعالى في كتابه العزيز ، فقال ، (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (٢) ، قال ابن عباس : عضوان مغسولان وعضوان ممسوحان (٣) ؛ فغيّروه وأوجبوا الغسل ؛ وكالمتعتين اللّتين ورد بهما القرآن ، فقال في متعة الحجّ : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (٤) وتأسّف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على فواتها لمّا حجّ قارنا ، وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي. (٥)

وقال في متعة النساء. (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ) (٦) ، واستمرّ فعلها (٧) مدّة زمان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومدّة خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر ، إلى أن صعد المنبر وقال : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما (٨).

ومنع أبو بكر فاطمة عليه‌السلام إرثها (٩) ، فقالت له : يا بن أبي قحافة! أترث أباك ولا أرث أبي؟!

__________________

(١) الصراط المستقيم ٣ : ٢٠٤.

(٢) المائدة : ٦.

(٣) الرسالة السعديّة للحلي : ٩٠ ، وانظر كنز العمال ٥ : ١٠٣ ، وتفسير ابن كثير ٢ : ٢٥.

(٤) البقرة : ١٩٦.

(٥) الدر المنثور ١ : ٢١٧.

(٦) النساء : ٢٤.

(٧) في «ش ١» : فعلهما.

(٨) انظر تفسير القرطبي ٢ : ٣٧٠ ، تفسير الرازي ١٠ : ٥٠ ذيل الآية ، كنز العمال ١٦ / الحديث ٤٥٧١٥ و ٤٥٧٢٢ ، الصراط المستقيم ٣ : ٢٧٧ عن الطبري في كتاب المسترشد.

وقال : لمّا سأل يحيى بن أكتم رجلا بصريّا : بمن اقتديت في تحليل المتعة؟ قال : بعمر بن الخطّاب حيث قال «متعتان كانتا على عهد رسول الله ، أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما» فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه.

(٩) أنظر : صحيح البخاري ٥ : ٢٥ / باب مناقب قرابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومنقبة فاطمة عليهما‌السلام بنت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، و ٨ : ١٨٥ / كتاب الفرائض ـ باب قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله «لا نورّث ما تركناه صدقة» ، ومسند أحمد ١ : ٦ ، وطبقات ابن

٧٠

والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها ـ وكان هو الغريم لها ؛ لأنّ الصدقة تحلّ (١) له ـ أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة ، على ما رووه عنه ؛ والقرآن يخالف ذلك ، لأنّ الله تعالى قال : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ) (٢) ، ولم يجعل الله تعالى ذلك خاصّا بالأمّة دونه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكذّب روايتهم فقال تعالى : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) (٣) ، وقال تعالى عن زكريّا : (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (٤).

ولمّا ذكرت فاطمة عليها‌السلام أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهبها فدكا ، قال لها : هات أسود أو أحمر يشهد لك بذلك! فجاءت بأمّ أيمن فشهدت لها بذلك ، فقال : امرأة لا يقبل قولها! وقد رووا جميعا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أمّ أيمن امرأة (٥) من أهل الجنّة. (٦)

فجاء أمير المؤمنين فشهد لها ، فقال : هذا بعلك يجرّه إلى نفسه ولا نحكم بشهادته لك!

__________________

ـ سعد ٨ : ١٨. وانظر الدر المنثور للسيوطي ذيل قوله تعالى (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) قال : وأخرج البزار وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري ، قال : لما أنزلت هذه الآية (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة عليهما‌السلام فأعطاها فدكا.

وقال : وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس ، قال : لمّا نزلت (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) أقطع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة عليهما‌السلام فدكا.

ونقل ذلك عن أبي سعيد كلّ من : كنز العمال ٢ : ١٥٨ عن الحاكم في تاريخه ، وابن النجار ، وميزان الاعتدال ٢ : ٢٢٨ ، ومجمع الزوائد ٧ : ٤٩ ، وغير ذلك من المصادر.

(١) يقصد أنّ أبا بكر منع الزهراء عليهما‌السلام من إرث أبيها ، وتمسّك برواية تجعل تركة النبيّ صدقة للمسلمين ـ والخليفة منهم ـ فيكون أبو بكر قد جرّ النفع إلى نفسه.

(٢) النساء : ١١.

(٣) النمل : ١٦.

(٤) مريم : ٥ ـ ٦.

(٥) ساقطة من «ش ١».

(٦) الإصابة ٤ : ٤٣٢ في ترجمة أم أيمن ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من سرّه أن يتزوّج امرأة من الجنّة ، فليتزوّج أم أيمن.

٧١

وقد رووا جميعا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : عليّ مع الحقّ والحقّ مع علي (١) يدور معه حيث (٢) دار ، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض (٣) ، فغضبت فاطمة عليهما‌السلام عند ذلك وانصرفت وحلفت لا تكلّمه ولا صاحبه حتّى تلقى أباها وتشكو إليه ، فلمّا حضرتها الوفاة أوصت عليّا أن يدفنها ليلا ولا يدع أحدا منهم يصلّي عليها. (٤)

وقد رووا جميعا أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : يا فاطمة ، إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك.

ورووا جميعا أنّه قال : فاطمة بضعة منّي ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله. (٥)

__________________

(١) في «ش ١» : والحقّ معه.

(٢) في «ش ١» : حيثما.

(٣) تاريخ بغداد ١٤ : ٣٢١ بسنده أبي ثابت مولى أبي ذر ، وفيه : عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة.

والمستدرك على الصحيحين ٣ : ١٢٤ بسنده عن أم سلمة بلفظ : عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ ، لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّ جاه.

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧ : ٢٣٥ ـ ٢٣٦ عن سعد بن أبي وقاص ، بلفظ «علي مع الحقّ أو الحقّ مع عليّ حيث كان». وفي ٩ : ١٣٤ عن أم سلمة بلفظ «عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ».

وروى الديلمي في الفردوس ٣ : ٦٤ / الحديث ٤١٧٩ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ١١ / الحديث ٣٢٩١٠ ، عن ابن عباس مرفوعا : «عليّ بن أبي طالب باب حطّة ، من دخل منه كان مؤمنا ، ومن خرج منه كان كافرا».

وروى الخوارزمي في مناقبه : ١٠٥ عن أبي أيوب الأنصاري في حديث جاء فيه «يا عمّار ، إذا رأيت عليّا سلك واديا ، وسلك الناس واديا غيره ، فاسلك مع عليّ ودع الناس ، إنّه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من الهدى» ـ الحديث.

(٤) صحيح البخاري ٨ : ١٨٥ / كتاب الفرائض ، وفيه : «فهجرته فاطمة ، فلم تكلّمه حتّى ماتت». ومسند أحمد ١ : ٦ / الحديث ٢٦ و ١ : ٩ ـ ١٠ / الحديث ٥٦.

(٥) صحيح البخاري ٥ : ٢٦ و ٣٦ / باب مناقب فاطمة عليها‌السلام ، ومجمع الزوائد ٩ : ٢٠٣ / باب مناقب فاطمة عن المسور مخرمة بلفظ «فاطمة شجنة منّي يبسطني ما يبسطها ويقبضني ما يقبضها».

ومستدرك الحاكم ٣ : ١٥٤ عن عليّ (ر ض) قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة : إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك. وفي مسند أحمد ٤ : ٥ / الحديث ١٥٦٩١ عن عبد الله بن الزبير ، عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بلفظ : «إنّها فاطمة ،

٧٢

ولو كان هذا الخبر (١) حقّا ، لمّا جاز له ترك البغلة التي خلّفها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيفه وعمامته عند أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ولما حكم به له لمّا ادّعاها العبّاس. ولكان أهل البيت الذين طهّرهم الله تعالى في كتابه عن الرجس مرتكبين ما لا يجوز ، لأنّ الصدقة عليهم محرّمة.

بعد ذلك جاء إليه مال البحرين ، وعنده جابر بن عبد الله الأنصاري ، فقال له : إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لي : إذا أتى مال البحرين حثوت لك ثمّ حثوت (٢) لك ـ ثلاثا ـ فقال له : تقدّم فخذ بعدّتها (٣) ، فأخذ من مال بيت المسلمين من غير بيّنة ، بل لمجرّد الدعوى (٤).

وقد روت الجماعة كلّهم أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في حقّ أبي ذر : ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر (٥) ، ولم يسمّوه صدّيقا ، وسمّوا أبا بكر بذلك (٦) ، مع أنّه لم يرو (٧) مثل ذلك في حقّه.

وسمّوه خليفة رسول الله ، مع أنّ رسول الله (٨) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يستخلفه في حياته ولا بعد وفاته عندهم ، ولم يسمّوا أمير المؤمنين عليه‌السلام خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّه استخلفه في عدّة

__________________

ـ بضعة مني ، يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها».

وفي ٤ : ٣٢٣ / الحديث ١٨٤٢٨ عن المسور بن مخرمة ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بلفظ «فاطمة مضغة منّي يقبضني ما قبضها ، ويبسطني ما بسطها ـ الحديث. وانظر : كنز العمال ١٢ / الحديثان ٣٤٢٢٢ ، و ٣٤٢٢٣. وانظر مصادر حديث «يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك» في الغدير ٣ : ١٨١.

(١) أي الخبر الذي رواه أبو بكر منفردا.

(٢) في «ش ١» : حبوت لك ثمّ حبوت.

(٣) في «ش ١» و«ش ٢» : بعددها.

(٤) ذكر ذلك أحمد في مسنده ٣ : ٣١٠ / الحديث ٣٩١٧.

(٥) مسند أحمد ٢ : ١٦٣ / الحديث ٦٤٨٣.

(٦) في «ش ٢» : صدّيقا.

(٧) في «ش ١» و«ش ٢» : يرد.

(٨) في «ش ١» : مع انّ الرسول. وفي «ش ٢» : والرسول.

٧٣

مواطن (١) ، منها أنّه استخلفه على المدينة في غزاة تبوك ، وقال له : إنّ المدينة لا تصلح إلّا بي أو بك ، أما (٢) ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي (٣)

وأمر أسامة على الجيش الذين فيهم أبو بكر وعمر ، ومات ولم يعزله ، ولم يسمّوه خليفة. ولمّا تولّى أبو بكر غضب أسامة ، وقال : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمّرني عليك ، فمن استخلفك عليّ؟!

فمشى إليه هو وعمر حتّى استرضياه ؛ وكانا يسمّيانه مدّه حياتهما : أميرا.

وسمّوا عمر الفاروق ، ولم يسمّوا عليّا عليه‌السلام بذلك ، مع أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال فيه : هذا فاروق أمّتى يفرق بين الحقّ والباطل (٤). وقال ابن عمر : ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا ببعضهم عليّا. (٥)

__________________

(١) في «ش ٢» : مواضع.

(٢) في «ش ٢» : أوما.

(٣) وهو حديث المنزلة. رواه أحمد في مسنده ١ : ١٧٣ / الحديث ١٤٩٣ ، و ١ : ١٧٧ / الحديث ١٥٣٥.

ورواه البخاري في صحيحه ٥ : ٢٤ / باب مناقب عليّ بن أبي طالب ، عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، قال : قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى. وفي ٦ : ٣ / باب غزوة تبوك بلفظ «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي».

ورواه الطبري في تاريخه ٣ : ١٤٣ ، والحاكم في المستدرك ٣ : ١٣٢ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ : ١٠٨ ، والسيوطي في تاريخ الخلفاء : ١١٤ ، والفخر الرازي في تفسيره ٣ : ٦٣٦ ، وابن عبد البر في الاستيعاب ٣ : ٣٤.

(٤) رواه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب : ١٨٧ بسنده عن ابن عباس ، قال : ستكون فتنة ، فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقول : هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحقّ والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصّديق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتي منه ، وهو خليفتي من بعدي.

(٥) الاستيعاب لابن عبد البر ٣ : ٤٦ عن جابر ، قال : ما كنّا نعرف المنافقين إلّا ببعض عليّ بن أبي طالب (ر ض).

وأخرجه الطبراني في الأوسط ٣ : ٧٦ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ : ١٣٣ / باب «فيمن يحبّ عليا ومن يبغضه» عن جابر ، قال : ما كنّا نعرف منافقينا معشر الأنصار على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا ببغضهم عليّا. وتذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : ٢٨ ، قال : أخرج الترمذي عن أم سلمة أنها قالت : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :

٧٤

وعظّموا أمر عائشة على باقي نسوانه ، مع أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يكثر من ذكر خديجة بنت خويلد ، وقالت له عائشة : إنّك تكثر من ذكرها وقد أبدلك الله خيرا منها! فقال لها : والله ما بدّلت بها من هو (١) خير منها ؛ صدّقتني (٢) إذا كذّبني الناس ، وأوتني إذ (٣) طردني الناس ، وأسعدتني بما لها ، ورزقني الله الولد منها ولم أرزق من غيرها. (٤)

وأذاعت سرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٥) ؛ وقال لها النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّك تقاتلين عليّا وأنت ظالمة. (٦)

ثمّ إنّها خالفت أمر الله تعالى في قوله (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ) ، (٧) وخرجت في

__________________

لا يحبّ عليّا إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا منافق. قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.

وفيه : وقال الترمذي أيضا : كان أبو الدرداء يقول : ما كنّا نعرف المنافقين ـ معشر الأنصار ـ إلّا ببغضهم عليّ بن أبي طالب.

والفصول المهمة : ١٢٥ عن أبي سعيد الخدري ، قال : ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا ببغضهم عليّا.

وقال : وروى الترمذي والنسائي ، عن يزيد بن جنيس قال : سمعت عليّا عليه‌السلام يقول : والذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة إنّه لعهد النبيّ الأمّي أنّه لا يحبّني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق. وفي الدر المنثور ٦ : ٦٦ عن ابن مسعود ، قال : ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلّا ببغضهم عليّ بن أبي طالب.

(١) في «ش ٢» : هي.

(٢) في «ش ١» : إذا.

(٣) في «ش ١» : إذا.

(٤) صحيح البخاري ٥ : ٤٧ ـ ٤٩ / باب تزويج النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله خديجة وفضلها رضي الله عنها. ومسند أحمد ٦ : ١١٧ ـ ١١٨ / الحديث ٢٤٣٤٣.

(٥) انظر تفسير الكشاف للزمخشري ذيل الآيتين ٣ و ٤ من سورة التحريم. قال : (إِنْ تَتُوبا) خطاب لحفصة وعائشة على طريقة الالتفات ، ليكون أبلغ في معاتبتهما. وعن ابن عباس : لم أزل حريصا على أن أسأل عمر عنهما ، حتّى حجّ وحججت معه ، فلمّا كان ببعض الطريق عدل وعدلت معه بالاداوة ، فكسبت الماء على يده فتوضأ ، فقلت : من هما؟ فقال : عجبا يا بن عبّاس ـ كأنّه كره ما سألته عنه ـ ثمّ قال : هما حفصة وعائشة. ورواه البخاري في صحيحه ٦ : ١٩٦ / كتاب التفسير ، ومسلم في صحيحه ٧ : ١٩٠ / كتاب الطلاق.

(٦) انظر المستدرك الحاكم ٣ : ١١٩ ـ ١٢٠ ، وتاريخ الطبري ٥ : ١٧٠.

(٧) الاحزاب : ٣٣.

٧٥

ملأ من الناس تقاتل عليّا عليه‌السلام على غير ذنب ، لأنّ المسلمين أجمعوا على قتل عثمان ، وكانت هي (١) كلّ وقت تأمر بقتله ، وتقول : اقتلوا نعثلا ، (٢) قتل الله نعثلا!

فلمّا بلغها قتله ، فرحت بذلك ، ثم سألت : من تولّى الخلافة؟ فقالوا : عليّ عليه‌السلام. فخرجت لقتاله (٣) على دم عثمان.

فأيّ ذنب كان لعلي عليه‌السلام على ذلك؟ وكيف استجاز طلحة والزبير (٤) مطاوعتها على ذلك؟ وبأىّ وجه يلقون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟ مع أنّ الواحد منّا لو تحدّث على امرأة غيره وأخرجها من منزله (٥) وسافر بها ، كان أشدّ الناس عداوة. (٦)

وكيف أطاعها على ذلك عشرات الألوف من المسلمين ، وساعدوها على حرب أمير المؤمنين عليه‌السلام ، ولم ينصر أحد منهم بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا طلبت حقّها من أبي بكر ، ولا شخص واحد بكلمة واحدة.

وسمّوها أمّ المؤمنين ولم يسمّوا غيرها بذلك.

ولم يسمّوا أخاها محمّد بن أبي بكر ـ مع عظم شأنه وقرب منزلته من أبيه ومن أخته عائشة أمّ المؤمنين (٧) ـ خال المؤمنين (وسمّوا معاوية بن أبي سفيان خال المؤمنين (٨)) لأن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان بعض زوجات النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأخت محمّد بن أبي بكر وأبوه أعظم من أخت معاوية ومن (٩) أبيها ، مع أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعن معاوية الطليق (١٠) بن الطليق اللّعين ،

__________________

(١) في «ش ٢» : تأمر.

(٢) نعثل : اسم يهودي عظيم اللحية في المدينة ، فشبّهت عائشة عثمان به.

(٣) في «ش ٢» : تقاتله.

(٤) في «ش ١» و«ش ٢» : بزيادة : وغيرهما.

(٥) في «ش ٢» : منزلها.

(٦) في «ش ١» و«ش ٢» بزيادة : له فعلهما.

(٧) في «ش ٢» : من أخته عائشة.

(٨) ما بين القوسين ساقط من «ش ٢».

(٩) ساقطة من «ش ٢».

(١٠) الطليق : الذي أسر ثمّ أطلق.

٧٦

وقال : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه! (١)

وكان من المؤلّفة قلوبهم ، وقاتل عليّا ، وهو عندهم رابع الخلفاء إمام حقّ ، وكلّ من حارب إمام حقّ فهو باغ ظالم.

وسبب ذلك محبّة محمّد بن أبي بكر لعلّي عليه‌السلام ومفارقته (لأبيه ، وبغض معاوية لعليّ) (٢) ومحاربته له.

وسمّوه كاتب الوحي ، ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي ، بل كان يكتب له رسائل ، وقد كان بين يدي النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (٣) أربعة عشر نفسا يكتبون الوحي ، أوّلهم وأخصّهم به وأقربهم إليه علي بن أبي طالب عليه‌السلام (٤) ، مع أنّ معاوية لم يزل مشركا مدّة (٥) كون النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مبعوثا يكذّب بالوحي ويهزأ بالشرع ، وكان باليمن يوم الفتح (٦) يطعن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويكتب إلى أبيه صخر بين حرب يعيّره بإسلامه ، ويقول له : أصبوت إلى دين محمّد؟!

وكتب إليه :

يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنا

بعد الّذين ببدر أصبحوا فرقا

جدّي وخالي وعمّ الأمّ ثالثهم

قوما وحنظلة (٧) المهدي لنا الأرقا

فالموت أهون من قول الوشاة لنا

خلّى ابن هند عن العزّى كذا فرقا (٨)

__________________

(١) انظر طرق الحديث في كتاب الغدير ١٠ : ١٤٢ ـ ١٤٥.

(٢) ما بين القوسين ساقط من «ش ١».

(٣) في «ش ١» : رسول الله.

(٤) في «ش ٢» : أوّلهم علي بن أبي طالب وأخصّهم وأقربهم إليه.

(٥) في «ش ١» و«ش ٢» : في مدّة.

(٦) في «ش ٢» : يوم الفتح فتح مكّة.

(٧) في «ش ١» : يا لهم فوتا وحنظلة. في «ش ٢» : يا لهم قوما وحنظلة. في (ر) سقطت كلمة «قوما» والنص المثبت ملفّق من «ر» و«ش ٢».

(٨) تذكرة الخواص : ٢٠١ ، ومقتل الحسين للخوارزمى ١ : ١١٧ ـ ١١٨ ، ذكر الأبيات في رواية طويلة تضمنت احتجاج الإمام الحسن عليه‌السلام على معاوية.

٧٧

والفتح كان في شهر رمضان ، لثمان سنين من قدوم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة ، ومعاوية حينئذ (١) مقيم على الشرك ، (٢) هارب من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّه قد هدر دمه ؛ فهرب إلى مكّة ، فلمّا لم يجد له مأوى صار إلى النّبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مضطرا فأظهر الإسلام وكان إسلامه قبل موت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخمسة أشهر ، وطرح نفسه على العبّاس ، فسأل فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعفا عنه ، ثم شفع إليه (٣) أن يشرّفه ويضيفه إلى جملة الكتّاب ، فأجابه وجعله واحدا من أربعة عشر.

فكم كان يخصّه من الكتابة في هذه المدّة ـ لو سلّمنا أنّه كان كاتب (٤) الوحي ـ حتّى استحقّ أن يوصف بذلك دون غيره؟ مع أنّ الزمخشري من مشايخ الحنفيّة ذكر في ربيع الأبرار أنّه ادّعى بنوّته أربعة نفر (٥). على أنّ من جملة كتبة الوحي ابن أبي سرح ، وارتدّ مشركا ، وفيه نزل (وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٦).

وقد روى عبد الله بن عمر ، قال : أتيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسمعته يقول : يطلع عليكم رجل يموت على غير سنّتي! فطلع معاوية. (٧)

__________________

(١) في «ش ١» : يومئذ.

(٢) في «ش ١» و«ش ٢» : على شركه.

(٣) ليس في «ش ٢».

(٤) سقط من «ش ٢».

(٥) ربيع الابرار ٤ : ٤٤٧ قال : وكان معاوية يعزى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبي عمرو ، وإلى عمارة بن الوليد ، وإلى العبّاس بن عبد المطّلب ، وإلى الصباح مغنّ أسود كان لعمارة.

قالوا : كان أبو سفيان دميما قصيرا ، وكان الصباح عسيفا لأبي سفيان شابّا وسيما ، فدعته هند إلى نفسها ، وقالوا : إنّ عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا ، وأنّها كرهت أن تضعه في منزلها ، فخرجت به إلى (أجياد) فوضعته هناك ، وفي ذلك يقول حسّان :

لمن الصبيّ بجانب البطحاء

في التّرب ملقى غير ذي مهد

نجلت به بيضاء آنسة

من عبد شمس صلتة الخدّ

وذكره سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : ٢٠٢ عن الأصمعي وهشام بن محمّد الكلبي في كتابه المسمّى بالمثالب.

(٦) النحل : ١٠٦.

(٧) انظر الحديث وإسناده في الغدير ١٠ : ١٤١ ـ ١٤٢.

٧٨

وقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوما يخطب ، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد (١) وخرج ولم يسمع الخطبة ، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لعن الله القائد والمقود! (٢) وأيّ يوم يكون لهذه الأمّة من معاوية ذي الإساءة؟.

وبالغ في محاربة عليّ عليه‌السلام ، وقتل جمعا كثيرا من خيار (٣) الصحابة ، ولعنه على المنابر ، واستمر سبّه مدّة ثمانين سنة ، إلى أن قطعه عمر بن عبد العزيز ؛ وسمّ الحسن ؛ وقتل ابنه يزيد مولانا الإمام الحسين عليه‌السلام (٤) ، وكسر جدّه (٥) ثنيّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأكلت أمّه كبد حمزة عمّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. (٦)

وسمّوا خالد بن الوليد سيف الله ، عنادا لأمير المؤمنين عليه‌السلام الذي هو أحقّ بهذا الاسم حيث قتل بسيفه الكفّار ، وثبتت (٧) بواسطة جهاده قواعد الدين ؛ وقال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عليّ سيف الله وسهم الله. وقال عليّ عليه‌السلام على المنبر : أنا سيف الله على أعدائه ، ورحمته

__________________

(١) الأصوب : أخذ بيد أخيه يزيد.

(٢) انظر تاريخ الطبري ١١ : ٣٥٧ ، وتذكرة الخواص : ٢٠١ وانظر الغدير ١٠ : ١٣٩ ـ ١٤٠.

(٣) ليس في «ش ٢».

(٤) في «ش ١» : مولانا الحسين ، ونهب نساءه.

وفي «ش ٢» : مولانا الحسين بن علي ونهب نساءه وحرمه.

(٥) في «ش ١» و«ش ٢» : أبوه. «فيرجع الضمير إلى معاوية».

(٦) ذكر العلّامة القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١ : ٢٢ في حديثه عن كيفية وفاة النسائي ، فقال : مات ضربا بالأرجل من أهل الشام حين أجابهم لمّا سألوه عن فضائل معاوية ليرجّحوه بها على عليّ ، بقوله : ألا يرضى معاوية رأسا برأس حتّى يفضل؟! وفي رواية : ما أعرف له فضيلة إلّا «لا أشبع الله بطنه» ، فما زالوا يضربونه بأرجلهم حتّى أخرج من المسجد ، ثمّ حمل إلى مكّة مقتولا شهيدا.

ذكرها الذهبي في تذكرة الحفّاظ ٢ : ٦٩٩ ، ثم قال : لعلّ هذه منقبة لمعاوية لقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهمّ من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة!

وفي الصواعق المحرقة : ١٢٧ قال : أخرج السلفي في الطيوريّات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : سألت أبي عن عليّ ومعاوية ، فقال : اعلم أنّ عليّا كان كثير الأعداء ، ففتّش له أعداؤه شيئا فلم يجدوه ، فجاءوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه كيدا منهم له.

(٧) في «ش ٢» : ثبت.

٧٩

لأوليائه.

وخالد لم يزل عدوّا لرسول الله مكذّبا له ؛ وهو كان السبب في قتل المسلمين في يوم أحد ، وفي كسر رباعيّة النبيّ (١) صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي قتل حمزة عمّه (٢) ، ولمّا تظاهر بالإسلام بعثه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى بني خزيمة (٣) ليأخذ منهم الصدقات ، فخانه وخالفه على أمره ، وقتل المسلمين ؛ فقام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أصحابه (٤) خطيبا بالإنكار عليه ، رافعا يديه إلى السماء حتّى شوهد بياض إبطيه ، وهو يقول : اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد ، ثم أنفذ إليهم (٥) أمير المؤمنين عليه‌السلام لتلافي فارطته ، (٦) وأمره أن يسترضي القوم (٧) ، ففعل. ولمّا قبض النبيّ وأنفذه أبو بكر لقتال أهل اليمامة ، قتل منهم ألفا ومائتي نفس مع تظاهرهم بالإسلام ، وقتل مالك بن نويرة صبرا وهو مسلم ، وعرّس بامرأته (٨)

وسمّوا بني حنيفة أهل الردّة ؛ لأنّهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر ، لأنّهم لم يعتقدوا إمامته ، واستحلّ دماءهم وأموالهم (ونساءهم) (٩) حتّى أنكر عمر عليه ؛ فسمّوا مانع الزكاة مرتدا ، ولم يسمّوا من استحلّ دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين عليه‌السلام مرتدّا ، مع أنّهم سمعوا قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (١٠) : «يا عليّ حربك حربي ، وسلمك سلمي (١١)» ومحارب رسول الله كافر

__________________

(١) في «ش ٢» : الرسول.

(٢) ليس في «ش ٢».

(٣) في سيرة ابن هشام «بنو جذيمة من كنانة».

(٤) في «ر» : الصحابة.

(٥) في «ش ١» «ر» : إليه.

(٦) في «ش ١» و«ش ٢» : فارطه.

(٧) سيرة ابن هشام ٤ : ٤٢٩ ـ ٤٣٠.

(٨) في «ش ٢» زيادة : تلك الليلة. وانظر قصته مفصّلة في الغدير ٧ : ١٥٨ ـ ١٦١ ، والصراط المستقيم ٢ : ٢٧٩ ـ ٢٨٢.

(٩) ما بين القوسين غير موجود في «ش ١».

(١٠) في «ش ١» : النبي.

(١١) ينابيع المودّة : ٨٣ / الباب ١٦.

٨٠