ثانيا : سلّمنا الانحصار ، ولكنّا نقول : إنّها علل فاعليّة كما أنّ حركة اليد علّة فاعليّة لحركة المفتاح ، بل ولا بدّ من تعميم العلّة الفاعليّة على وجه يدخل فيها الشروط والآلات ، كما صنعه بعضهم (١).
قوله (٢) : « لاستناد جعل الأحكام إليه تعالى ، لا إلى تلك الأسباب ».
فيه من الخلط ما لا يخفى ، سيّما على ما زعمه من مجعوليّة الأحكام الوضعيّة بنفسها ، فإنّه تعالى جاعل لسببيّة تلك الأسباب ، وأين ذلك من استناد المسبّبات لتلك الأسباب إليها ، فإنّ شرعيّة السبب لا تنافي استناد المسبّب إليه بعد تشريع السببيّة.
ثمّ لا يخفى ما فيما أفاده من نفي كونها من الغائيّة.
ثمّ إنّ ما أفاده في القسم الثاني من أنّها علل حقيقيّة ، لا وجه له على ما زعمه.
قوله : « إذ مرجعها إلى العلّة الغائيّة ».
فيه : أنّه لا يعقل أن يكون الإسكار غاية لحرمة الخمر. وكون المقصود من تحريم الخمر حفظ المكلّف عن فساد العقل ممّا لا ربط له بالمقام لظهور الفرق بين داعى التحريم وهو الحفظ وبين غاية الحرمة التي هي معلول الإسكار.
وتوضيحه : أنّ العلّة الغائيّة هي علّة فاعليّة الفاعل وسبب ترجيح الفاعل أحد طرفي المقدور ، فمعلولها لا بدّ أن يكون فعلا من الأفعال. وما ذكره إنّما يصحّ غاية للتكليف الذي هو فعل المكلّف ، ولا دخل له بما نحن بصدده من فرض علّيّة الإسكار للحرمة التي هي من الأوصاف دون الأفعال ، وذلك ظاهر في الغاية.
__________________
(١) وهو التفتازاني في شرح المقاصد ٢ : ٧٨.
(٢) أي : صاحب الفصول.
![مطارح الأنظار [ ج ٢ ] مطارح الأنظار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F993_matarh-alansar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
