وممّا ذكرنا ظهر الجواب عمّا ورد في كتاب يونس إذا نظر إليه : « هذا ديني ودين آبائي » فإنّ شيئا منهما لا يدلّ على كون ما في الكتاب حقّا صوابا مطابقا للواقع ، وأين هذا من الدلالة على جواز العمل بكتاب كلّ من أفتى في كتابه حسب الظنون الاجتهادية بامور يحتمل الصواب والخطأ ، وأيضا الظاهر أنّ ذلك الكتاب كان كتاب الرواية دون الفتوى.
وأمّا استدلال بعض (١) بما سمعت من أخبار « حلال محمّد صلىاللهعليهوآله حلال إلى يوم القيامة » فهو أضعف من جميع الاستدلالات المزبورة لأنّ الحلال والحرام اسمان للحلال والحرام الواقعيين ، فلا يندرج فيهما التقليد التعبّدي الذي هو حكم ظاهري ، ولو سلّم صدقهما على ذلك فلا ريب أنّ تأبيد الأحكام لا يقتضي بقاءها بعد تغيّر العنوان وتبدّل المتعلّق ، فالوجوب الثابت للعمل بقول الحي لا يدلّ على وجوب العمل بقول الحيّ بحيث يدور مدار قول الحيّ ؛ فإن وجب العمل بقول الميّت أيضا فهو حكم آخر ثابت لموضوع آخر يحتاج إلى دليل آخر. ودعوى تنقيح المناط من هذه الأخبار : بأنّ المستظهر منها حجيّة قول الحيّ من حيث كونه حكاية عن الواقع ، وهذه الحيثية لا تفارق القول المزبور بمفارقته ، ففيه من الضعف الواضح ما ترى ؛ لأنّ مدخليّة الحياة في الحجيّة إمّا مظنون أو محتمل أو لا دافع لهذا الاحتمال لا من عقل ولا من نقل.
هذا تمام الكلام في الأدلّة اللفظية.
وقد استدلّ على الجواز بدليل عقلي وهو : أنّ قول الميّت مفيد للظنّ وكلّ ما يفيد الظنّ فهو حجّة في حقّ المقلّد.
__________________
(١) مرّ في الصفحة : ٦٠٩.
![مطارح الأنظار [ ج ٢ ] مطارح الأنظار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F993_matarh-alansar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
