والظاهر أنّ هذه الأقسام كلّها مسوقة لبيان جواز نفس التقليد من دون ملاحظة أمر آخر ، كقولك : فارجع إلى الأطبّاء ، أو إلى الطبيب ، أو إلى كلّ من يعالج مثلا ، فإنّ المفهوم منها بيان أصل المرجع ، وأمّا الواقعة المترتّبة على هذه الواقعة من وقوع التعارض بين أقوال الأطبّاء ، فلا يستفاد منها ؛ ولذلك لا يعدّ بيان المرجع عند التعارض قبيحا كما هو كذلك في المقبولة ، فإنّه بعد الأمر بالرجوع إلى العارف بالأحكام يصدى (١) لبيان المرجع عند التعارض ولذلك حسن استفسار السائل أيضا ، نعم يصحّ التعويل على هذه الاطلاقات عند عدم العلم بالاختلاف والتعارض ولا بأس به.
وأمّا الأخبار الخاصّة : فالاستناد إليها يتوقّف على دعوى العلم بوجود الاختلاف بين هؤلاء المفتين في العلم والفضيلة ، والعلم باطّلاع الناس على اختلافهم فيه ، والعلم باختلافهم في الفروع الفقهيّة. والإنصاف : أنّ إثبات ذلك فيمن أمر الإمام عليهالسلام بالاستفتاء منهم في غاية الصعوبة ، بل لا يكون ذلك إلاّ تخرّصا على الغيب.
وأمّا السيرة (٢) : فالمسلّم منها أنّهم مع عدم علمهم بالاختلاف في الفتاوى كانوا يرجعون بعضهم إلى بعض ، وأمّا مع العلم بالاختلاف إجمالا فلا نسلّم عدم فحصهم عن الفاضل وعدم رجوعهم إليه ، فكيف بما إذا علموا بالفضيلة والاختلاف تفصيلا! بل يمكن دعوى ندرة الاختلاف بين أصحاب الأئمّة أيضا. ولا ننكر أصل الاجتهاد في حقّهم ، بل نقول بالفرق بيننا وبينهم من [ حيث ](٣) وجود أسباب الاختلاف في حقّنا دونهم ، فإنّ حالهم ـ كما مرّ مرارا ـ حال
__________________
(١) كذا ولعلّه : يتصدّى.
(٢) وهو ثالث حجج القائلين بالجواز.
(٣) اقتضاها السياق.
![مطارح الأنظار [ ج ٢ ] مطارح الأنظار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F993_matarh-alansar-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
