الأجسام قريبا منها ومتجها إليها فيحس ، وبعضها بعيدا منها محتجبا عنها فلا يحس. وبالجملة يجب أن لا يكون اختلاف فى أوضاع الأجسام منها وحجب وإظهار (١) ، فإن هذه الأحوال تكون للأجسام عند الأجسام. فيجب أن تكون النفس إما مدركة لجميع المحسوسات وإما غير مدركة ، وأن لا تكون غيبة المحسوس تزيله عن الإدراك. لأن هذه الغيبة عند شىء لا محالة هى خلاف الحضرة منه. فيكون عند ذلك الشىء لهذا الشىء غيبة مرة وحضور مرة ، وذلك مكانى وضعى فيجب أن تكون النفس جسما ؛ ليس ذلك بمذهب هؤلاء ؛ وسنبين لك من بعد أن الصورة المدركة لا يتم نزعها عن المادة وعلائق المادة يستحيل أن تستثبت بغير آلة جسدانية ؛ ولو لم تحتج النفس فى إدراك الأشياء إلى المتوسطات لوجب أن لا يحتاج البصر إلى الضوء وإلى توسط الشاف ، ولكان تقريب المبصر من العين لا يمنع الإبصار ، ولكان سد الأذن لا يمنع الصوت ، ولكانت الآفات العارضة لهذه الآلات لا تمنع الإحساس.
ومن الناس من جعل المتوسط عائقا ، وقال إنه لو كان المتوسط كلما كان أرّق كان أدلّ (٢) ؛ فلو لم يكن ، بل كان خلأ صرفا ، لتمت
__________________
(١) فى تعليقة نسخة : اى لا تكون حجب واظهار للاجسام منها.
(٢) ص ٣١٨ ج ٢ من المباحث المشرقية للفخر : قال الشيخ من الناس من قال المتوسط كلما كان ارقّ كان ادلّ فلو كان خلأ صرفا لكان الابصار اكمل حتى يمكن ابصار النملة على السماء الخ. والمذكور فى الاسفار منقول من المباحث. ولكن عبارة الفخر منقولة بالمعنى. وقوله : لا بصر عطف على قوله لتمت الدلالة. والمعنى ولابصر الشىء اكثر من المسافة الّتى يبصر ذلك الشىء حتى يمكن ان تبصر نملة فى السماء. وقال صدر المتألهين فى الاسفار ( ج ٤ ص ٤٨ ط ١ ـ ج ٨ ص ٢٠٠ ط ٢ ) : « فعلى هذا يظهر فساد قول من قال : المتوسط كلما كان ارق كان اولى فلو كان خلأ صرفا لكان الابصار اكمل
