الحاس إنما يتأثر بالشكل (١) ، فيكون الشىء الواحد يؤثر فى آلة شكلا مّا وفى آلة أخرى شكلا آخر لكن لا شىء من الأشكال عنده إلا ويجوز أن يلمس ، فيكون هذا المرئى (٢) أيضا يجوز أن يلمس. ثم من الظاهر البين أن اللون فيه مضادة وكذلك الطعم وكذلك أشياء اخرى ، ولا شىء من الأشكال بمضاد لشىء ، وهؤلاء بالحقيقة يجعلون كل محسوس ملموسا ، فإنهم يجعلون أيضا البصر ينفذ فيه شىء ويلمس ، ولو كان كذلك لكان يجب أن يكون المحسوس فى الوجهين (٣) جميعا هو الشكل فقط.
ومن العجائب غفلتهم عن أن الأشكال لا تدرك إلا أن تكون هناك ألوان أو طعوم أو روائح أو كيفيات أخرى ؛ ولا تحس ألبتة بشكل مجرد. فإن كان لأن الشكل المجرد إذا صار محسوسا أحدث فى الحس أثرا من هذه الآثار غير الشكلية ، فقد صح وجود هذه الآثار. وإن لم تكن هذه الآثار إلا نفس الشكل ، وجب أن يحس شكل مجرد من غير أن يحس معه شىء آخر.
وقال قوم من الأوائل : إن المحسوسات قد يجوز أن تحس بها النفس بلاوسائط ألبتة ولا آلات ، أما الوسائط فمثل الهواء مثلا للإبصار وامّا الآلات فمثل العين للإبصار.
وقد بعدوا عن الحق ، فإنه لو كان الإحساس يقع للنفس بذاتها من غير هذه الآلات لكانت هذه الآلات معطلة فى الخلقة لا ينتفع بها ، وأيضا فإن النفس إذا كانت غير جسم عندهم ولا ذات وضع فيستحيل أن يكون بعض
__________________
(١) لانه جسم.
(٢) قوله : « فيكون هذا المرئى » اى المرئى بالذات وهو الشبح المنطبع فى الجليدية.
(٣) اى فى اللمس والبصر.
