ثم إن القوة المتخيلة قوة قد تصرفها (١) النفس عن خاص فعلها بوجهين : تارة مثل ما يكون عند اشتغال النفس بالحواس الظاهرة وصرف القوة المصورة إلى الحواس الظاهرة وتحريكها بما يورد عليها منها حتى لا تسلم (٢) للمتخيلة المفكرة فتكون المتخيلة مشغولة عن فعلها الخاص وتكون المصورة أيضا مشغولة عن الانفراد بالمتخيلة ويكون ما تحتاجان (٣) إليه من الحس المشترك ثابتا واقعا فى شغل الحواس الظاهرة وهذا الوجه هو وجه.
وتارة عند استعمال النفس إياها (٤) فى أفعالها التى تتصل بها من التميّز والفكرة. وهذا على وجهين أيضا :
أحدهما أن تستولى على المتخيلة فتستخدمها والحس المشترك معها فى
__________________
(١) قال الرازى فى المباحث المشرقية ص ٤٣٠ ج ٢ : ولصرف القوة المتخيلة عن الفعل امران : احدهما الحس المشترك اذا نقش بالصور التى توردها الحواس الظاهرة لم يتسع للصور التى تركّبها المتخيلة فحينئذ ينصرف المتخيلة عن العمل. الثانى تسلط العقل والوهم عليها بالضبط والحفظ عن الاضطراب والحركة عند ما يستعملانها فيما يهمّهما فان المتخيلة عند ذلك لا تفرغ لتركيب الصور ونقش الحس المشترك بها ثم اذا انتفى الشاغلان او احدهما ظهر سلطان المتخيلة فاخذت فى التلويح والتشبيح. اما فى النوم فقد انكسرت سورة احد الشاغلين وهو الحس الظاهر فيتعطل الحس المشترك عما يتأدى اليه ويتسع للانطباع بالصور التى تركبها المتخيلة وينقلب تلك الصور المتخيلة مشاهدة مرئية واما فى حالة المرض فان النفس تكون مشغولة بتدبير البدن فلا يمكنها فى ان يتفرغ لتثقيف المتخيلة فحينئذ يقوى سلطان المتخيلة وما يرى فى الخوف من الصور الهائلة فهو بهذا السبب فان الخوف المستولى على النفس يصدّها عن تثقيف المتخيلة برسم صور هائلة فى الحس المشترك كصورة الغول.
(٢) اى على المصورة من الحواس الظاهرة حتى لا تسلم المصورة.
(٣) اى المتخيّلة والمصورة.
(٤) اى عند استعمال النفس القوة المتخيلة.
