تركيب صور بأعيانها وتحليلها على جهة يقع للنفس فيها غرض صحيح ، ولا تتمكن المتخيلة لذلك من التصرف على ما لها أن تتصرّف عليه بطباعها ، بل تكون منجرّة مع تصريف النفس النطقية إياها انجرارا.
والثانى أن تصرفها عن التخيلات التى لا تطابق الموجودات من خارج فتكفها عن ذلك استبطالا لها فلا تتمكن من شدة تشبيحها وتمثيلها ، فإن شغلت المتخيلة من الجهتين جميعا ضعف فعلها ، وإن زال عنها الشغل من الجهتين كلتيهما ـ كما يكون فى حال النوم أو من جهة واحدة كما يكون عند الأمراض التى تضعف البدن وتشغل النفس عن العقل والتمييز وكما عند الخوف حتى تضعف النفس وتكاد تجوّز ما لا يكون وتكون منصرفة عن العقل جملة لضعفها وتخوّفها وقوع أمور جسدانية فكأنها تترك العقل وتدبيره ـ أمكن التخيل (١) حينئذ أن يقوّى ويقبل على المصورة ويستعملها ويتقوى اجتماعهما معا فتصير المصورة أظهر فعلا فتلوح الصور التى فى المصورة فى الحاس المشترك فترى كأنها موجودة خارجا ، لأن الأثر المدرك من الوارد من خارج ومن الوارد من داخل هو ما يتمثل فيها وإنما يختلف بالنسبة.
وإذا كان المحسوس بالحقيقة هو ما يتمثل ، فإذا تمثل كان حاله كحال ما يرد من خارج. ولهذا ما يرى الإنسان المجنون والخائف والضعيف والنائم أشباحا قائمة كما يراها فى حال السلامة بالحقيقة ويسمع أصواتا كذلك ،
__________________
(١) عبارته فى المبدء والمعاد هكذا : « واذا سكن فعل احد الشيئين قوى الخيال اما الحس فاذا تعطل فعله عند النوم واما العقل فاذا لم يصح الآلة لاستعماله لها بسوء المزاج ولهذا يتخيل المجانين امورا ليست فيقوى ذلك فى خيالهم حتى يكون حاله حال الموجود الماخوذ من الحس ».
