يا ربّ إنك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ فأوحی الله عزّ وجلّ إليه إنّما أنت عبد مأمور فأبلغه ذلك والله لا يُسأل عمّا يفعل . (١)
ثمّ التفت إلى سليمان فقال له : أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب ؛ قال أعوذ بالله من ذلك ، وما قالت اليهود ؟ قال : قالت اليهود : « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » يعنون أنّ الله قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئاً فقال الله عزّ وجلّ : « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا » ولقد سمعت قوماً سألو أبي موسى بن جعفر عليهالسلام عن البداء فقال : وما ينكر الناس من البداء وأن يقف الله قوماً يرجئهم لأمره .
قال سليمان : ألا تخبرني عن إنّا أنزلناه في ليلة القدر في أيّ شيء أنزلت ؟ قال : يا سليمان ليلة القدر يقدّرالله عزّ وجلّ فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياة أو موت ، أو خير أو شرّ ، أو رزق فما قدّره في تلك اللّيلة فهو من المحتوم .
قال سليمان : الآن قد فهمت جعلت فداك فزدني . قال : يا سليمان إنّ من الاُمور اُموراً موقوفة عند الله تبارك وتعالى يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ، يا سليمان إنّ عليّاً عليهالسلام كان يقول : العلم علمان : فعلم علّمه الله ملائكته ورسله فما علّمه ملائكته ورسله فإنّه يكون ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله ، وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه يقدّم منه ما يشاء ويوخّر ما يشاء ، ويمحو ويثبت ما يشاء . قال سليمان للمأمون : يا أمير المؤمنين لا أنكر بعد يومي هذا البداء ولا أكذّب به إن شاء الله .
بيان : لعلّ استدلاله عليهالسلام أوّلاً بالآيات لرفع الاستبعاد عمّا هو مبنى البداء من أنَّ الله تعالى أن يحدث شيئاً لم يكن ، ويغيّر ما قد كان ، وليس على ما قالت اليهود ومن يضاهيهم : إنَّ الله فعل ما فعل ، وقدّر ما قدّر في أوَّل الأمر فلا يغيّر شيئاً من خلقه ولا أحكامه ، وإنَّ لله كتاباً يمحو فيه ما قد ثبت ، ويثبت فيه ما لم يكن . على ما سيأتي تحقيقه ، وذكر بعض ما يدلّ على النسخ إمّا على التنظير والتمثيل لمشابهة البداء النسخ في أنَّ
____________________
(١) سيأتي مثله تحت رقم ٣٣ وفيه : أن النبي هو حزقيل وسيأتي مثله أيضا في قصة شعيا على نبينا وآله وعليهما السلام .
![بحار الأنوار [ ج ٤ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F507_behar-alanwar-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

