اقول : قد روي في ف والنهج مثل هذه الخطبة مع زيادات عن أمير المؤمنين عليهالسلام وقد أوردتها في أبواب خطبه عليهالسلام .
٥ ـ نهج ، ج : عن أمير المؤمنين عليهالسلام : الحمد لله الّذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصي نعمه العادّون ، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون ، الّذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، (١) الّذي ليس لصفته حدّ محدود ، ولا نعت موجود ، ولا وقت معدود ، ولا أجل ممدود ، فطر الخلائق بقدرته ، ونشر الرياح برحمته ، ووتّد بالصخور ميدان أرضه ، أوّل الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة ؛ فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزّاه ، ومن جزّاه فقد جهله ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال : فيم فقد ضمّنه ، ومن قال : علام ؟ فقد أخلا منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة ، فاعلٌ لا بمعنى الحركات والآلة ، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ، متوحّد إذ لا سكن يستأنس به
____________________
(١) وغوصها : استغراقها في بحر المعقولات لتلتقط درر الحقيقة ، وهي وإن بعدت في الغوص لا تنال حقيقة الذات الاقدس قال ابن ميثم : إسناد الغوص ههنا إلى الفطن على سبيل الاستعارة ، إذ الحقيقة إسناده الى الحيوان بالنسبة الى الماء ، وهو مستلزم لتشبيه المعقولات بالماء ، ووجه الاستعارة ههنا أن صفات الجلال ونعوت الكمال لما كانت في عدم تناهيها والوقوف على حقائقها وأغوارها تشبه البحر الخضم الذي لا يصل السائح له الى ساحل ، ولا ينتهى الغائص فيه الى قرار ، وكان السائح لذلك البحر والخائض في تياره هي الفطن الثاقبة لا جرم كانت الفطنة شبيهة بالغائص في البحر فاسند الغوص اليها ، وفي معناه الغوص الى الفكر ، ويقرب منه اسناد الادراك الى بعد الهمم ، اذ كان الادراك حقيقة في لحوق الجسم لجسم آخر . واضافة الغوص الى الفطن والبعد الى الهمم اضافة لمعنى الصفة بلفظ المصدر الى الموصوف ، والتقدير : لا تناله الفطن الغائصة ، ولا تدركه الهمم البعيدة . ووجه الحسن في هذه الاضافة وتقديم الصفة أن المقصود لما كان هو المبالغة في عدم اصابة ذاته تعالى بالفطنة من حيث هي ذات غوص وبالهمة من حيث هي بعيدة كانت تلك الحيثية مقصودة بالقصد الاول ، والبلاغة تقتضى تقديم الاهم .
![بحار الأنوار [ ج ٤ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F507_behar-alanwar-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

