النَّاسِ) (٣) بدلان ، أو صفتان ، أو عطفا بيان ، وأظهر المضاف إليه فيهما زيادة للبيان (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ) أي الشيطان ، سمي بالحدث لكثرة ملابسته له (الْخَنَّاسِ) (٤) لأنه يخنس ويتأخر عن القلب كلما ذكر الله (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) (٥) قلوبهم إذا غفلوا عن ذكر الله (مِنَ
____________________________________
قوله : (إِلهِ النَّاسِ) هذا الترتيب بديع ، وذلك أن الإنسان أولا يعرف أن له ربا لما شاهده من أنواع التربية ، ثم إذا تأمل ، عرف أن هذا الرب متصرف في خلقه ، غني عن غيره فهو الملك ، ثم إذا زاد تأمله ، عرف أنه يستحق أن يعبد ، لأنه لا يعبد إلا الغني عن كل ما سواه ، المفتقر إليه كل ما عداه. قوله : (زيادة للبيان) حاصله أنه ورد إشكال وهو : لم كرر لفظ الناس ثانيا وثالثا ، ولم يكتف بضميرهم ، مع أن اتحاد اللفظين في اللفظ ، والمعنى معيب كالإبطاء في الشعر. فأجاب المفسر بقوله : (زيادة للبيان) وهو جواب خفي ، وأحسن منه أن يقال : إن التكرار لإظهار شرف الناس وتعظيمهم والاعتناء بشأنهم ، كما أنه حسن التكرار للتلذذ ، وإظهار فضل المكرر في قول بعضهم :
|
محمد ساد الناس كهلا ويافعا |
|
وساد على الأملاك أيضا محمد |
|
محمد كل الحسن من بعض حسنه |
|
وما حسن كل الحسن إلا محمد |
|
محمد ما أحلى شمائله وما |
|
ألذ حديثا راح فيه محمد |
وهذا على تسليم أن المراد بالناس في الجميع شيء واحد ، وأما إن أريد بالناس. الأول : الصغار وأضيفوا للرب ؛ لاحتياجهم إلى التربية أكثر من غيرهم. وبالثاني : الشباب وأضيفوا للملك ، لأن شأنهم الطغيان والطيش ، فهم محتاجون لملك يسوسهم ويكسر هيجان شبوبيتهم. وبالثالث : الشيوخ أضيفوا للإله ، لأن شأنهم كثرة العبادة ، لقرب ارتحالهم وقدومهم على ربهم وفناء شهواتهم ، فهم أقرب من غيرهم للتعلق بالإله ، فلا اتحاد في المعنى.
قوله : (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ) متعلق ب (أَعُوذُ) إن قلت : ما الحكمة في وصف الله تعالى في هذه السورة نفسه بثلاثة أوصاف ، وجعل المستعاذ منه شيئا واحدا ، وفي السورة قبلها بعكس ذلك ، لأن وصف نفسه بوصف واحد ؛ وجعل المستعاذ منه أربعة أشياء. أجيب : بأنه في السورة المتقدمة المستعاذ منه أمور تضر في ظاهر البدن ، وهنا وإن كان أمرا واحدا ، إلا أنه يضر الروح ، وما كان يضر الروح يهتم بالاستعاذة منه. إن قلت : كان مقتضى الظاهر تقديم ما به الاهتمام ، وهو الاستعاذة من شر الوسواس ، إذ سلامة الروح مقدمة على البدن. أجيب : بأن سلامة البدن وسيلة للمقصود بالذات ؛ وهو سلامة الروح. قوله : (سمي بالحدث) أي المصدر ، وقوله : (لكثرة ملابسته له) أي ملازمته للوسوسة ، فهو على حد : زيد عدل ، وما ذكره المفسر بمتعين ، فإن الوسواس بالفتح ، كما يستعمل اسم مصدر بمعنى الحدث ، يطلق على نفس الشيطان الموسوس ، ويطلق أيضا على ما يخطر بالقلب من الشر. واعلم أن خواطر القلب أربعة : رحماني وملكي ونفسي ، وشيطاني ، فالرحماني ما يلزم طاعة بعينها ، والملكي ما يلزم طاعة لا بعينها ، والنفسي ما يلزم معصية بعينها ، والشيطاني ما يلزم معصية لا بعينها فتمسك بهذا الميزان. قوله : (لأنه يخنس) من باب دخل ، أي يتوارى ويختفي بعد ظهوره المرة بعد المرة. قوله : (كلما ذكر الله) أي فالذكر له كالقامع الذي يقمع المفسد ، فهو شديد النفور منه ، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلا ، وعن بعض
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
