(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (١) الصبح (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) (٢) من حيوان مكلف وغير مكلف ، وجماد كالسم وغير ذلك (وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ) (٣) أي الليل إذا أظلم ، أو القمر إذا غاب (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ) السواحر تنفث (فِي الْعُقَدِ) (٤) التي تعقدها في الخيط تنفخ فيها بشيء تقوله من غير ريق ، وقال الزمخشري : معه كبنات لبيد المذكور (وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا
____________________________________
الاستعاذة ، أن يتغير حاله بالخروج من الخوف إلى الأمن ، ومن الوحشة إلى السرور والصبح أدل على هذا ، لما فيه من زوال الظلمة بإشراق أنواره ، وتغير وحشة الليل وثقله بسرور الصبح وخفته ، وقيل : الفلق سجن في جهنم ، وقيل : بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل جهنم من حره ، وقيل : هو اسم من أسماء جهنم ، وقيل : واد في جهنم ، وقيل : شجرة في النار ، وقيل : الرحم لانفلاقه عن الولد ، وقيل : كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان والحب والنوى وكل نبات ، وقيل : غير ذلك.
قوله : (مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) هذا عام وما بعده خاص ، والجار والمجرور متعلق ب (أَعُوذُ) و (ما) موصولة أو مصدرية. قوله : (وغير ذلك) أي كالإحراق بالنار والإغراق في البحار. قوله : (وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ) نكر (غاسِقٍ) و (حاسِدٍ) لإفادة التبعيض ، لأن الضرر قد يتخلف فيهما ، وعرف (النَّفَّاثاتِ) لأنهن معهودات ، فقيل : بنات لبيد ، وقيل : إخواته. قوله : (أي الليل إذا أظلم) سمي الليل غاسقا لانصباب ظلامه ، واستعيذ من الليل لشدة الآفات فيه ، و (إِذا) منصوبة ب (شَرِّ) أي أعوذ بالله من الشر في وقت كذا. قوله : (أو القمر) سمي غاسقا لذهاب ضوئه بالكسوف ، أو المحاق في آخر الشهر واسوداده ، وقوله : (إذا غاب) أي استتر بالكسوف ، أو أخذ في المحاق أو النقص ، وذلك آخر الشهر ، وفيه تتوفر أسباب السحر المصححة له ، ويسميه المنجمون إذ ذاك نحسا ، وهو أنسب بسبب النزول ، وهذان قولان من جملة أقوال كثيرة ، وقيل : الثريا وذلك لأنها إذا سقطت كثرت الأقسام والطواعين ؛ وإذا طلعت ارتفع ذلك ، وقيل : هو الشمس إذا غربت ، وقيل : هو الحية إذا لدغت ، وقيل : كل هاجم يضر كائنا ما كان. قوله : (السواحر) صفة لموصوف محذوف أي النساء السواحر ، وخص النساء بالذكر ، لأن سحرهن أشد من سحر الرجال ، لما ورد : أنه بعد إغراق فرعون وقومه ، وتوجه موسى وقومه لقتال الجبارين ، ملك نساء القبط مصر ، وأقمن فيها ستمائة سنة ، كلما قصدهن عسكر صورن صورته ، وفعلن بالصورة ما شئن من قلع الأعين وقطع الأعضاء ، فيتفق نظيره للعسكر القاصد لهن فتخافهن العسكر. قوله : (بشيء) أي مع شيء أي قول تقوله. وقوله : (من غير ريق) متعلق ب (تنفخ) ، واختلف في النفث عند الرقية والمسح باليد ، فمنعه قوم لما فيه من التشبه بالسحر ، وأجازها آخرون وهو الصحيح ، لما ورد عن عائشة : كان النبي صلىاللهعليهوسلم ينفث في الركية ، وورد عنها أيضا أنها رقت ونفثت ، وقال علي كرم الله وجهه : «اشتكيت فدخل علي النبي صلىاللهعليهوسلم وأنا أقول : اللهم إن كان أجلي قد حضر فأرحني ، وإن كان متأخرا فاشفني وعافني ، وإن كان بلاء فصبرني ، فقال صلىاللهعليهوسلم : كيف قلت؟ فقلت له ، فمسحني بيده ثم قال : اللهم اشفه ، فما عاد ذلك الوجع بعد» ا ه. قوله : (وقال الزمخشري : معه) أي الريق ، ففي النفث قولان.
قوله : (وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) الحسد تمني زوال نعمة المحسود عنه ، وإن لم يصر للحاسد مثلها ، والغبطة تمني مثلها ، فالحسد مذموم دون الغبطة ، وعليها حمل حديث : «لا حسد إلا في اثنتين»
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
