شَدِيدٍ) فقال أبو لهب : تبا لك ، ألهذا دعوتنا؟ نزل (تَبَّتْ) خسرت (يَدا أَبِي لَهَبٍ) أي جملته ، وعبر عنها باليدين مجازا ، لأن أكثر الأفعال تزاول بهما ، وهذه الجملة دعاء (وَتَبَ) (١) خسر هو ، وهذه خبر كقولهم : أهلكه الله ، وقد هلك ، ولما خوّفه النبي صلىاللهعليهوسلم بالعذاب فقال : إن كان ما يقول ابن أخي حقا فإني أفتدي منه بمالي وولدي ، نزل (ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ) (٢) وكسبه أي ولده ، وأغنى بمعنى يغنى (سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ) (٣) أي تلهب وتوقد ، فهي مآل تكنيته لتلهب وجهه إشراقا وحمرة (وَامْرَأَتُهُ) عطف على ضمير يصلى ، سوغه الفصل بالمفعول وصفته وهي أم جميل (حَمَّالَةَ) بالرفع والنصب (الْحَطَبِ) (٤) الشوك والسعدان تلقيه في طريق النبي صلىاللهعليهوسلم (فِي
____________________________________
قوله : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) بفتح الهاء وسكونها ، سبعيتان ولغتان جيدتان ، واتفق القراء على فتح الهاء في قوله : (ذاتَ لَهَبٍ) والفرق أنها فاصلة ، فلو سكنت زال التشاكل. قوله : (وهذه خبر) أي إخبار بحصول التباب له الذي دعا به عليه في الجملة الأولى ، وهذا أحد قولين ، وقيل : إن كلتا الجملتين دعاء ، وصرح بكنيته لقبح اسمه ، فإن اسمه عبد العزى ، أو لأن الله تعالى أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار.
قوله : (ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ) يصح أن تكون (ما) نافية أو استفهامية ، وعلى الثاني فهو في محل نصب ب (أَغْنى) والتقدير : أي شيء أغنى قدم لكونه له صدر الكلام. قوله : (مالُهُ) أي الموروث من آبائه. قوله : (وكسبه) أشار بذلك إلى أن (ما) مصدرية ، ويصح أن تكون اسم موصول بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، أي والذي كسبه. قوله : (أي ولده) وهو عتيبة بالتصغير ، وأما عتبة ومعتب فقد أسلما ، قال بعضهم :
|
كرهت عتيبة إذ أجرما |
|
وأحببت عتبة إذ أسلما |
|
كذا معتب مسلم فاحترز |
|
وخف أن تسب فتى مسلما |
ومات أبو لهب بداء يسمى العدسة ، بعد وقعة بدر لسبع ليال ، والعدسة قرحة تخرج بالبدن فتقتل صاحبها ، كانت العرب تهرب منها لزعمهم أنها تعدي.
قوله : (سَيَصْلى ناراً) أي يحترق بها. قوله : (فهي مآل تكنيته) جواب عما يقال : كيف ذكره بكنيته دون اسمه وهو عبد العزى ، مع أن ذلك إكرام واحترام؟ وإيضاحه أنه ذكره بكنيته لموافقة حاله لها ، فإن مصيره إلى النار ذات اللهب ، أو لأن ذكره باسمه خلاف الواقع حقيقة ، لأنه عبد الله لا عبد العزى (وهي أم جميل) أي وهي أخت أبي سفيان بن حرب ، وكانت عوراء وماتت مخنوقة بحبلها.
قوله : (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) إن قلت : إنها كانت من بيت العز والشرف ، فكيف يليق بها حمل الحطب؟ قلت : إنها لشدة عداوتها للنبي صلىاللهعليهوسلم لا تستعين في ذلك بأحد ، بل تفعله بنفسها. قوله : (بالرفع) أي على أنه نعت لامرأته ، وقرأ عاصم (حَمَّالَةَ) بالنصب على الذم أو الحال من امرأته ، والمعنى : أنها تصلى النار حال كونها (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) لما ورد : «أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار ، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا». قوله : (والسعدان) هو نبت له شوك يشبه به حلمة الثدي وهو بوزن سرحان. قوله : (تلقيه) أي بالليل لقصد أذية النبي صلىاللهعليهوسلم.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
