ارتكاب الثاني (وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) (١٣) أي الدنيا ، فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ (فَأَنْذَرْتُكُمْ) خوفتكم يا أهل مكة (ناراً تَلَظَّى) (١٤) بحذف إحدى التاءين من الأصل ، وقرىء بثبوتها أي تتوقد (لا يَصْلاها) يدخلها (إِلَّا الْأَشْقَى) (١٥) بمعنى الشقي (الَّذِي كَذَّبَ) النبي (وَتَوَلَّى) (١٦) عن الإيمان ، وهذا الحصر مؤول لقوله تعالى (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) فيكون المراد الصلي المؤبد (وَسَيُجَنَّبُهَا) يبعد عنها (الْأَتْقَى) (١٧) بمعنى التقي (الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى) (١٨) متزكيا به عند الله تعالى بأن يخرجه لله تعالى ، لا رياء ولا سمعة ، فيكون زاكيا عند الله تعالى. وهذا نزل في الصديق رضي الله تعالى عنه لما اشترى بلالا المعذب على إيمانه وعتقه ،
____________________________________
والتقدير : إن علينا لتبيين طريق الحق من طريق الباطل. قوله : (فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ) أي فهذه الآية بمعنى قوله تعالى : (مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ). قوله : (تَلَظَّى) مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر صفة لنارا. قوله : (وقرىء) أي شذوذا. قوله : (لا يَصْلاها) مضارع صلى بكسر اللام ، والمصدر صليا بضم فكسر مع تشديد الياء. قوله : (وهذا الحصر مؤول) أي مصروف عن ظاهره ، وقصد المفسر بهذا الكلام ، الرد على المرجئة القائلين : لا يضر مع الإيمان ذنب ، مستدلين بظاهر هذه الآية ، حيث حصر دخول النار في الكفار ، فمقتضاها : أن المؤمن لا يدخلها ولو فعل الكبائر ، ووجه الرد : أن الآية محمولة على الدخول المؤيد ، فلا ينافي أن عصاة المؤمنين يدخلونها ، ثم يخرجون منها بالشفاعة. إذا علمت ذلك تعلم أن كلام المفسر لا يلاقي كل المرجئة ، فكان عليه أن يقول : مؤول بحمل الصلي على التأبيد والخلود ، وأما قوله : (لقوله تعالى : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)) فلا مدخل له في رد كلام المرجئة إلا أن يقال له مدخل من حيث مفهومه ، إذ مفهوم (لمن يشاء) أن من لم يشأ الغفران له لم يغفر له ، بل يدخله النار.
قوله : (يَتَزَكَّى) بدل من يؤتى أو حال من فاعله ، ومشى المفسر على الثاني حيث قال (متزكيا). قوله : (وهذا نزل في الصديق) الإشارة لقوله : (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى.) قوله : (لما اشترى بلالا) أي من سيده وهو أمية بن خلف ، وكان الصديق رضي الله عنه يبتاع الضعفة فيعتقهم ، فقال له أبوه : أي بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك ، فقال : منع ظهري أريد ، فنزلت الآية ، ورد أنه كان بلال لبعض بني جمح ، وهو بلال بن رباح ، واسم أمه حمامة ، وكان صادق الإسلام طاهر القلب ، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الشمس ، فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة ، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول : لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ، فيقول وهو في ذلك : أحد أحد ، فمر النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : أحد ينجيك ، يعني الله تعالى ، ثم قال النبي صلىاللهعليهوسلم لأبي بكر : إن بلالا يعذب في الله ، فعرف أبو بكر الذي يريده رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فانصرف إلى منزله فأخذ رطلا من ذهب ومضى إلى أمية بن خلف فقال : ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ قال : أنت أفسدته فأنقذه بما ترى ، ففي رواية أنه فداه برطل من ذهب ، وفي رواية أنه قال له : عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى ، وهو على دينك ، فأعطاه له وأخذ بلالا فأعتقه. وقال سعيد بن المسيب : بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال له أتبيعه؟ قال : نعم أبيعه بنسطاس ، عبد لأبي بكر ، وكان نسطاس صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش ، وكان
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
