الجنة بحسب شهواتهم ، بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب ، ويقال لهم (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً) حال أي متهنئين (بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٤٣) من الطاعات (إِنَّا كَذلِكَ) كما جزينا المتقين (نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (٤٤) (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٤٥) (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا) خطاب للكفار في الدنيا (قَلِيلاً) من الزمان وغايته إلى الموت ، وفي هذا تهديد لهم (إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) (٤٦) (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٤٧) (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا) صلوا (لا يَرْكَعُونَ) (٤٨) لا يصلون (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (٤٩) (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ) أي القرآن (يُؤْمِنُونَ) (٥٠) أي لا يمكن إيمانهم بغيره من كتب الله بعد تكذيبهم به لاشتماله على الإعجاز الذي لم يشتمل عليه غيره.
____________________________________
شهواتهم) أي فمتى اشتهوا فاكهة وجدوها حاضرة ، فليست فاكهة الجنة مقيدة بوقت دون وقت ، كما في أنواع فاكهة الدنيا ، قال تعالى : (أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها). قوله : (ويقال لهم) أي من قبل الله ، أو القائل لهم الملائكة إكراما لهم. قوله : (كما جزينا المتقين) أي بالظلال والعيون والفواكه نجزي المحسنين. إن قلت : لا مغايرة بين المتقين والمحسنين ، ففيه تشبيه الشيء بنفسه. والجواب : أن يراد بالمتقين الكاملون في الطاعة ، وبالمحسنين من عندهم أصل الإيمان ، ويصير المعنى : إن هذا الجزاء كما هو ثابت للكاملين في الطاعة ، ثابت لمن كان عنده أصل الإيمان ، فالمماثلة في الأوصاف التي ذكرت في تلك الآية ، لا في المراتب والدرجات فتدبر. قوله : (من الزمان) أي فقليلا منصوب على الظرفية. قوله : (وغايته إلى الموت) أي فهو مدة العمر ، قال بعض العلماء : التمتع في الدنيا من أفعال الكافرين ، والسعي لها من أفعال الظالمين ، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين ، والسكون فيها على حد الأذن ، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين ، والأعراض عنها من أفعال الزاهدين ، وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها.
قوله : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ) أي لهؤلاء المجرمين ، أي من أي قائل كان. قوله : (صلوا) أي فسميت الصلاة باسم جزئها وهو الركوع ، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة. قوله : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ) متعلق بيؤمنون ، قال الرازي : إنه تعالى بالغ في زجر الكفار من أول السورة إلى آخرها ، بهذه الوجوه العشرة المذكورة ، وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق ، ختم السورة بالتعجب من الكفار ، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل العظيمة مع وضوحها ، لا يؤمنون بغيرها ، قال البوصيري في همزيته :
|
وإذا البينات لم تغن شيئا |
|
فالتماس الهدى بهن عناء |
قوله : (لاشتماله على الإعجاز) أي فقد ورد : أن معجزات المصطفى ، مائة ألف وسبعون ألفا في القرآن ، منها مائة ألف والسبعون من غيره ، وهذا التعليل لا ينتج ما قاله المفسر من عدم الإمكان ، إذ يجوز أن يؤمنوا بغيره مع عدم إعجازه ، ويكذبون بالقرآن المعجز ، فلو قال في التعليل : لأن القرآن مصدق للكتب القديمة ، موافق لها في أصول الدين ، فيلزم من تكذيبه تكذيب غيره من الكتب ، لأن ما في غيره موجود فيه ، فلا يمكن الإيمان بغيره مع تكذيبه لكان أولى.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
