قصرها ، خلاف جر العرب ثيابهم خيلاء ، فربما أصابتها نجاسة (وَالرُّجْزَ) فسره النبي صلىاللهعليهوسلم بالأوثان ، (فَاهْجُرْ) (٥) أي دم على هجره (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (٦) بالرفع حال ، أي لا تعط شيئا لتطلب أكثر منه ، وهذا خاص به صلىاللهعليهوسلم لأنه مأمور بأجمل الأخلاق وأشرف الآداب (وَلِرَبِّكَ
____________________________________
قوله : (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) (عن النجاسة) أي لأن طهارة الثياب ، شرط في صحة الصلاة ، لا تصح إلا بها ، وهي الأولى والأحب في غير الصلاة ، لأن المؤمن طاهر طيب ، لا يليق منه أن يحمل خبيثا ، ففي هذا رد على المشركين ، فإنهم كانوا لا يصونون ثيابهم عن النجاسات ، فأمره الله تعالى أن يخالفهم في ذلك. قوله : (قصرها) أي لأن تطويل الثياب شأنه إصابة النجاسة ، فعبر بالملزوم عن اللازم ، وتقصير الثياب مطلوب لما في الحديث : «إزار المؤمن إلى انصاف ساقيه ، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ، وما كان على اسفل من ذلك ففي النار ، فمن السفه أن يطيل الرجل ثيابه ، ثم يتكلف رفعها بيديه» وورد : «من جر ازاره خيلاء ، لم ينظر الله إليه يوم القيامة» قال أبو بكر : يا رسول الله ، إن أحد شقي إزاري يسترخي ، إلا أني أتعهد ذلك منه ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لست ممن يصنعه خيلاء» فيؤخذ من ذلك ، أن تطويل الثياب بقصد الخيلاء حرام ، وأما من غير قصد بل لمجرد عادة أهل بلده مثلا ، فهو مكروه إن كان يتحفظ من النجاسة ، وما ذكره المفسر أحد أقوال في تفسير الآية ، وقيل : المراد طهر نفسك من الصفات المذمومة ، كالعجب والكبر والرياء ونحو ذلك ، مأخوذ من قولهم : فلان طاهر الثياب والذيل ، إذا أراد وصفه بالنقاء من ادناس الأخلاق ، ومن ذلك قول عكرمة : لا تلبسها على معصية ولا على غدر ، وقال الحسن : خلقك فحسن ، وقال سعيد بن جبير : قلبك وبيتك فطهر ، وقال مجاهد : عملك فأصلح ، وقيل : المراد بالثياب الأهل ، أي طهرهم عن الخطايا بالموعظة والتأديب ، والعرب تسمي الأهل ثوبا ولباسا وازارا ، قال تعالى : (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ) والآية صالحة لجميع تلك المعاني.
قوله : (وَالرُّجْزَ) بضم الراء وكسرها سبعيتان ، والزاي منقلبة عن السين ومعناهما واحد. قوله : (أي دم على هجره) دفع بذلك ما يقال : ظاهر الآية يقتضي أنه كان متلبسا بعبادة الأوثان وليس كذلك. قوله : (وَلا تَمْنُنْ) المن هنا الأنعام ، والمعنى لا تعط شيئا مستكثرا له ، وقوله (حال) أي من فاعل (تَمْنُنْ.) قوله : (لا تعط شيئا لتطلب أكثر منه) أي فالاستكثار هنا ، عبارة عن طلب العوض ، بأن يهب شيئا ، ويطمع أن يعوض من الموهوب له أكثر من الشيء الموهوب ، وقيل : المعنى لا تعط شيئا مستكثرا له ، أي رائيا ما تعطيه كثيرا ، بل عدة قليلا لقوله تعالى : (مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ) وقال البوصيري.
|
مستقل دنياك أن ينسب |
|
الامساك منها إليه والإعطاء |
قوله : (أكثر منه) أي ولا مساويا ولا أقل ، فالمراد النهي عن طلب العوض مطلقا ، ليكون عطاؤه صلىاللهعليهوسلم خاليا عن انتظار العوض ، والتفات النفس إليه ، وحكمة تخصيصه بذلك ، أنه عليهالسلام خليفة الله الأعظم في خلقه دنيا وأخرى ، يقسم عليه من خزائن الله تعالى ، فجميع ما بذله لعباده بالنسبة لما عند الله قليل ، فلا يليق أن يراه كثيرا ، ولا أن يطلب عوضا من الفقراء ، وهو خليفة عن الغني المطلق فتدبر. قوله : (وهذا) أي النهي ، وقوله : (خاص به) أي وأما أمته فليس حرام في حقهم.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
