(وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ) في الضجر والعجلة ، وهو يونس عليهالسلام (إِذْ نادى) دعا ربه (وَهُوَ مَكْظُومٌ) (٤٨) مملوء غما في بطن الحوت (لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ) أدركه (نِعْمَةٌ) رحمة (مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ) من بطن الحوت (بِالْعَراءِ) بالأرض الفضاء (وَهُوَ مَذْمُومٌ) (٤٩) لكنه رحم فنبذ غير مذموم (فَاجْتَباهُ رَبُّهُ) بالنبوة (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٥٠) الأنبياء (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ) بضم الياء وفتحها (بِأَبْصارِهِمْ) أي ينظرون إليك نظرا شديدا ، يكاد أن يصرعك ويسقطك عن مكانك (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) القرآن (وَيَقُولُونَ) حسدا (إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) (٥١) بسبب
____________________________________
قوله : (إِذْ نادى) منصوب بمضاف محذوف ، والتقدير : ويكن حالك كحاله في وقت ندائه. قوله : (وَهُوَ مَكْظُومٌ) الجملة حال من ضمير (نادى). قوله : (مملوء غما) أي من أجل خوفه من الله تعالى حيث خرج من غير إذن ، فظن أن الله آخذه بذلك ، وقيل : معنى مكظوم محبوس ، ومنه قولهم فلان يكظم غيظه أي يحبس غضبه. قوله : (نِعْمَةٌ) اختلف في المراد بها ، فقيل : الرحمة وهو الذي اختاره المفسر ، وقيل : هي العصمة ، وقيل : نداؤه بقوله (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.) قوله : (بالأرض الفضاء) أي الخالية من النبات والأشجار والجبال. قوله : (وَهُوَ مَذْمُومٌ) أي مؤاخذ بذنبه ، والجملة حال من نائب فاعل نبذ ، وهو محط النفي المستفاد من (لَوْ لا). قوله : (لكنه رحم) الخ ، أشار بذلك إلى أن (لَوْ لا) حرف امتناع لوجود ، والممتنع الذم ، والمعنى : امتنع ذمه لسبق العصمة له ، فاجتباه ربه وجعله في الصالحين فيونس لم تحصل منه معصية أبدا ، لا صغيرة ولا كبيرة ، وإنما خروجه من بينهم ، باجتهاد منه ، وعتابه من الله من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وتقدم ذلك مفصلا.
قوله : (فَاجْتَباهُ رَبُّهُ) عطف على مقدر ، والمعنى : فأدركته نعمة من ربه فاجتباه. قوله : (بالنبوة) هذا مبني على أنه وقت هذه الواقعة لم يكن نبيا ، وإنما نبىء بعدها وهو أحد قولين ، والآخر أنه كان نبيا ، ومعنى اجتباه اختاره واصطفاه ورقاه مرتبة أعلى من التي كان فيها. قوله : (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) أي الكاملين في الصلاح ، قال ابن عباس : رد الله عليه الوحي ، وشفعه في نفسه وفي قومه ، وقبل توبته وجعله من الصالحين ، بأن أرسله إلى مائة ألف أو يزيدون ، فهداهم الله بسبب صبره.
قوله : (وَإِنْ يَكادُ إِنْ) مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن. قوله : (بضم الياء وفتحها) أي فهما قراءتان سبعيتان ، فالضم من أزلق ، والفتح من زلق. قوله : (بِأَبْصارِهِمْ) الباء إما للتعدية أو السببية. قوله : (أي ينظرون إليك نظرا شديدا) أي فليس المراد أنهم يصيبونه بأعينهم ، كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه ، وإنما المراد أنهم ينظرون إليه نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء ، وهذا ما مشى عليه المفسر ، وقيل : أرادوا أن يصيبوه بالعين ، فنظر إليه قوم من قريش المجربة اصابتهم ، فعصمه الله وحماه من أعينهم فلم تؤثر فيه فنزلت ، وذكر العلماء أن العين كانت في بني أسد من العرب ، وكان إذا أراد أحد منهم أن يصيب أحدا في نفسه أو ماله ، جوع نفسه ثلاثة أيام ، ثم يتعرضون للمعيون أو ماله فيقول : ما رأيت أقوى منه ولا اشجع ولا أكبر ولا أحسن ، فيهلك المعيون هو وماله ، وهذه الآية تنفع كتابة وقراءة للمعيون ، فلا تضره العين. قوله : (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) ظرف (لَيُزْلِقُونَكَ.) قوله : (حسدا) أي
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
