أي ذليلة (أَبْصارُهُمْ) لا يرفعونها (تَرْهَقُهُمْ) تغشاهم (ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ) في الدنيا (إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) (٤٣) فلا يأتون به بأن لا يصلوا (فَذَرْنِي) دعني (وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ) القرآن (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) نأخذهم قليلا قليلا (مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) (٤٤) (وَأُمْلِي لَهُمْ) أمهلهم (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (٤٥) شديد لا يطاق (أَمْ) بل أ(تَسْئَلُهُمْ) على تبليغ الرسالة (أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ) مما يعطونكه (مُثْقَلُونَ) (٤٦) فلا يؤمنون لذلك (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ) أي اللوح المحفوظ الذي فيه الغيب (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) (٤٧) منه ما يقولون (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) فيهم بما يشاء
____________________________________
الخشوع والذل إليها ، لأن ما في القلب يعرف في العين ، وفي ذلك المقام يسجد المؤمنون شكرا لله تعالى على ما أعطوه من النعيم ، فيرفعون رؤوسهم من السجود ، ووجوههم أضوأ من الشمس ، ووجوه الكافرين والمنافقين سوداء مظلمة له. قوله : (تَرْهَقُهُمْ) حال أخرى. قوله : (وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ) أي دعوة تكليف والجملة حالية ، وكذا قوله : (وَهُمْ سالِمُونَ). قوله : (بأن لا يصلوا) أشار بذلك إلى أن المراد بالسجود الثاني هو الصلاة ، واتفق المفسرون على أن المراد بالسجود الأول حقيقته. قوله : (فَذَرْنِي) تسلية له صلىاللهعليهوسلم وتخويف للكافرين ، والمعنى : أترك أمر المكذبين إلي أكفك ذلك. قوله : (وَمَنْ يُكَذِّبُ) في محل نصب إما معطوف على الياء في ذرني ، أو مفعول معه ، والأول أرجح ، قال ابن مالك :
|
والعطف إن يمكن بلا ضعف أحق |
|
والنصب مختار لدى عطف النسق |
قوله : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) استئناف مسوق لبيان كيفية التعذيب المستفاد إجمالا من قوله ذرني الخ. قوله : (نأخذهم قليلا قليلا) أي فالاستدراج : الأخذ بالتدريج شيئا فشيئا ، والمعنى : لما أنعمنا عليهم ، اعتقدوا أن ذلك الإنعام تفضيل لهم على المؤمنين ، وهو في الحقيقة سبب لهلاكهم. قوله : (وَأُمْلِي لَهُمْ) عطف على (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ) عطف تفسير. قوله : (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) الكيد في الأصل الاحتيال ، وهو أن تفعل ما فيه نفع ظاهر ، أو تريد به الضر ، وإنما سمى إنعامه عليهم استدراجا بالكيد لأنه في صورته ، فما وقع لهم من سعة الأرزاق وطول الأعمار وعافية الأبدان بإحسان ونفع ظاهري فقط ، والمقصود به معاقبتهم وتعذيبهم على ذلك ، ووصف الكيد بالمتانة ، إشارة إلى أنه لا يتأتى إفلات المستدرجين مما أراده بهم ، بخلاف كيد المخلوق ، فتارة يقع وتارة لا يتمكن منه.
قوله : (أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً) هو في المعنى مرتبط بقوله سابقا (أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ) الخ ، والمعنى : أم تلتمس منهم ثوابا على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله تعالى. قوله : (مُثْقَلُونَ) أي مكلفون حملا ثقيلا. قوله : (فلا يؤمنون لذلك) أي لسؤال الأجر المرتب عليه الغرم ، وهو ثقيل على النفس ، لأن شأن النفس أن تستثقل ما يطلب منها. قوله : (أي اللوح) الخ ، هذا قول ابن عباس ، وقيل (الْغَيْبُ) هو علم ما غاب عنهم. قوله : (ما يقولون) أي ما يحكمون به ويستغنون به عن اعلمك. قوله : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) الخ ، نزلت هذه الآية بأحد ، حين فر أصحاب رسول الله بإغراء المنافقين ، فأراد أن يدعو على الذين انهزموا ، وقيل : نزلت حين ضاق صدره من أهل مكة ، فخرج يدعو ثقيفا ، فأغروا به سفهاءهم ، وصاروا يضربونه بالحجارة حتى أدموا قدمه الشريف ، فأراد أن يدعو عليهم ، فعلى الأول تكون مدنية ، وعلى الثاني تكون مكية.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
