(بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (٢) أي انتفى الجنون عنك بسبب إنعام ربك عليك بالنبوّة وغيرها ، وهذا رد لقولهم إنه مجنون (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) (٣) مقطوع (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ) دين (عَظِيمٍ) (٤) (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) (٥) (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) (٦) مصدر كالمعقول أي الفتون بمعنى الجنون ، أي أبك أم بهم؟ (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٧) له ، وأعلم بمعنى عالم (فَلا تُطِعِ
____________________________________
به الكائنات) الخ ، هذا أحد قولين ، والآخر أن المراد به الجنس ، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض ، قال تعالى : (وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) لأن القلم نعمة كاللسان عن ابن عباس : أول ما خلق القلم ثم قال له : اكتب ، قال : ما أكتب؟ قال : اكتب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، من عمل أو أجل أو رزق أو أثر ، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال : ثم ختم فم القلم ، فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ، وهو من نور طوله كما بين السماء والأرض. قوله : (أي الملائكة) يصح أن يراد بهم الملائكة الذين ينسخون المقادير من اللوح المحفوظ ، وأن يراد بهم الحفظة الذين يكتبون عمل الإنسان ، فأقسم أولا بالقلم ، ثم بسطر الملائكة على ثلاثة أشياء : نفى الجنون عنه ، وثبوت الأجر له ، وكونه على خلق عظيم ، فالمقسم به شيئان أو ثلاثة : بزيادة نون ، على أن المراد به الحوت. قوله : (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) الخ ، جواب القسم ، والباء في (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) سببية وفي (بِمَجْنُونٍ) زائدة ، ومجنون خبر (ما). قوله : (وهذا رد لقولهم) أي كما حكاه الله عنهم في قوله : (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون). قوله : (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ) أي بل هو دائم جار مستمر لا ينقطع ، فهو صلىاللهعليهوسلم دائما يترقى في الكمالات ، فمقامه بعد وفاته أعظم منه في حال حياته ، ومقامه في الآخرة أعلى من مقامه في الدنيا.
قوله : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال ابن عباس : معناه على دين عظيم ، لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه ، وهو دين الإسلام ، وقال الحسن : هو آداب القرآن ، بدليل أن عائشة لما سئلت عن خلق رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالت : كان خلقه القرآن ، ولذا قال قتادة : هو ما كان يأتمر به من أوامر الله ، وينتهي عنه من نهي الله تعالى ، والمعنى : إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن ، وهذا أعظم مدح له صلىاللهعليهوسلم ، ولذا قال العارف البوصيري رضي الله عنه :
|
فهو الذي تم معناه وصورته |
|
ثم اصطفاه حبيبا بارىء النسم |
قوله : (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) أي فستعلم ويعلمون في الدنيا ، بظهور عاقبة أمرك ، واستيلائك عليهم بالقتل والنهب ، ويوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل. قوله : (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ بِأَيِّكُمُ) خبر مقدم ، و (الْمَفْتُونُ) مبتدأ مؤخر ، والجملة في محل نصب تنازعها كل من تبصر ويبصرون ، أعمل الثاني وأضمر في الأول وحذف لأنه فضلة ، وليس قوله : (بِأَيِّكُمُ) متعلقا بيبصرون ، لأنه معلق بالاستفهام عن العمل. قوله : (مصدر كالمعقول) أي جاء على صيغة مفعول ، كالمعقول والميسور قوله : (إِنَّ رَبَّكَ) الخ ، تعليل لما قبله ، وتأكيد الوعد والوعيد. قوله : (له) أي للسبيل. قوله : (وأعلم بمعنى عالم) أشار بذلك إلى أن اسم التفضيل ليس على بابه ، وإلا لاقتضى مشاركة الحادث للقديم وهو باطل.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
