فيما أضمروه مخالفا لما قالوه (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) سترة على أموالهم ودمائهم (فَصَدُّوا) بها (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي عن الجهاد فيهم (إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٢) (ذلِكَ) أي سوء عملهم (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا) باللسان (ثُمَّ كَفَرُوا) بالقلب ، أي استمروا على كفرهم به (فَطُبِعَ) ختم (عَلى قُلُوبِهِمْ) بالكفر (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) (٣) الإيمان (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) لجمالها (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) لفصاحته (كَأَنَّهُمْ) من عظم أجسامهم في ترك التفهم (خُشُبٌ) بسكون الشين وضمها (مُسَنَّدَةٌ) ممالة إلى الجدار (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ) تصاح كنداء في العسكر وإنشاد ضالة (عَلَيْهِمْ) لما في قلوبهم من الرعب أن ينزل فيهم ما يبيح دماءهم (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) فإنهم يفشون سرك للكفار (قاتَلَهُمُ اللهُ) أهلكهم (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٤) كيف يصرفون عن الإيمان بعد قيام البرهان (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا) معتذرين (يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا) بالتشديد
____________________________________
قولهم في حد ذاته كذب ، فأتى بالاعتراض لدفع الابهام. قوله : (فيما أضمروه) أي من أنك غير رسول ، وسماه كذبا باعتبار هذا الذي أضمروه ، هذا ما أفاده المفسر ، وقيل : كذبهم هو قولهم (نَشْهَدُ) لأن صدقها كونها من صميم القلب ، وقولهم خلاف ما في القلب. قوله : (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ) بفتح الهمزة في قراءة العامة جمع يمين ، وقرىء شذوذا بكسرها بمعنى دعواهم إلى الايمان والتصديق بما جاء به محمد. قوله : (جُنَّةً) بضم الجيم أي وقاية. قوله : (ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ساءَ) كبئس في إفادة الذم ، وفيها معنى التعجيب.
قوله : (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا) (باللسان) الخ ، جواب عما يقال : إن المنافقين لم يحصل منهم إيمان أصلا ، بل هم ثابتون على الكفر ، وايضاحه أن ثم للترتيب الاخباري ، معناه أنهم آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم. قوله : (لجمالها) قال ابن عباس : كان ابن أبي جسيما صحيحا فصيحا طلق اللسان ، وكان قوم من المنافقين مثله ، وهم رؤساء المدينة ، وكانوا يحضرون مجلس النبي صلىاللهعليهوسلم ، ويستندون فيه إلى الجدر ، وكان النبي ومن حضر يعجبون بهياكلهم. قوله : (وَإِنْ يَقُولُوا) أي يتكلموا في مجلسك. قوله : (تَسْمَعْ) أي تسمع بمعنى تصرخ. قوله : (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) الجملة حالية من الضمير في قولهم أو مستأنفة. قوله : (في ترك التفهم) هذا بيان لوجه الشبه ، والمعنى أنهم يشبهون الأخشاب المسندة إلى الحائط ، في كونهم أشباحا خالية عن العلم والنظر. قوله : (بسكون الشين وضمها) أي فهما قراءتان سبعيتان.
قوله : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) أي إنهم من سوء ظنهم ورعب قلوبهم ، يظنون كل نداء في العسكر ، من إنشاد ضالة ، أو مناداة صاعقة عليهم ، وأنهم يرادون بذلك ، فمقتضى كلام المفسر أن (عَلَيْهِمْ) مفعول ثان ليحسبون ، وقوله : (هُمُ الْعَدُوُّ) جملة مستأنفة. قوله : (لما في قلوبهم من الرعب) متعلق بيحسبون. قوله : (أن ينزل فيهم) متعلق بالرعب. والمعنى لما في قلوبهم من الرعب من أن ينزل فيهم قرآن ، يكون سببا لإباحة دمائهم. قوله : (فَاحْذَرْهُمْ) مرتب على قوله : (هُمُ الْعَدُوُّ.) قوله : (قاتَلَهُمُ اللهُ) إخبار بهلاكهم أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك. قوله : (أهلكهم) وقيل : معناه لعنهم وأبعدهم عن رحمته. قوله : (بعد قيام البرهان) أي على حقيقة الإيمان.
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
