وَرَهْبانِيَّةً) هي رفض النساء واتخاذ الصوامع (ابْتَدَعُوها) من قبل أنفسهم (ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) ما أمرناهم بها (إِلَّا) لكن فعلوها (ابْتِغاءَ رِضْوانِ) مرضاة (اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) إذ تركها كثير منهم ، وكفروا بدين عيسى ، ودخلوا في دين ملكهم ، وبقي على دين عيسى كثير فآمنوا بنبينا (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) به (مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (٢٧) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)
____________________________________
ومتأخرا عنهم في الزمان ، وخصه بالذكر للرد على اليهود المنكرين لنبوته ورسالته. قوله : (وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) أي من الحواريين وغيرهم. قوله : (رَأْفَةً وَرَحْمَةً) أي شدة لين وشفقة. قوله : (وَرَهْبانِيَّةً) يصح أن يكون بالنصب عطفا على (رَأْفَةً) وجملة (ابْتَدَعُوها) صفة لرهبانية ، وجعل إما بمعنى خلق أو صير ، وذلك لأن الرأفة والرحمة أمر عزيز ، لا تكسب للإنسان فيه ، بخلاف الرهبانية فإنها من أفعال البدن ، وللإنسان فيها تكسب ، ويصح أن تكون منصوبة بفعل مقدر يفسره الظاهر ، فهو من باب الاشتغال. قوله : (هي رفض النساء) الخ ، أي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس ، والتقشف في المأكل والملبس والمشرب مع التقليل من ذلك ، روي عن ابن عباس قال : كانت ملوك بعد عيسى عليهالسلام بدلوا التوراة والإنجيل ، وكان فيهم جماعة مؤمنين ، يقرأون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله ، فقيل لملوكهم : لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم ، أو دخلوا فيما نحن فيه ، فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل ، أو يتركون قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها ، فقالوا : ما تريدون منا إلا ذلك ، دعونا نحن نكفيكم أنفسنا ، فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا اسطوانة ، ثم ارفعونا فيها ، ثم اعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ، فلا نرد عليكم ، طائفة قالت : دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا ، وقالت طائفة : ابنوا لنا دورا في الفيافي ، ونحتفر الآبار ، ونحترث البقول ، ولا نرد عليكم ، ولا نمر بكم ، وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم ، قال : ففعلوا ذلك ، فمضى أولئك على منهاج عيسى ، وخلف قوم من بعدهم ممن غيروا الكتاب ، فجعل الرجل يقول : نكون في مكان فلان نتعبد فيه كما تعبد فلان ، ونسيح كما ساح فلان ، ونتخذ دورا كما اتخذ فلان ؛ وهم على شركهم ، لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم ، فذلك قوله تعالى (وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) أي ابتدعها الصالحون ، فما رعوها حق رعايتها ، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) يعني الذين ابتدعوها ، ابتغاء رضوان الله (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) هم الذين جاؤوا من بعدهم ، فلما بعث النبي صلىاللهعليهوسلم ولم يبق منهم إلا القليل ، انحط رجل من صومعته ، وجاء سائح من سياحته ، وصاحب دير من ديره ، فآمنوا به وصدقوه ، فقال تعالى فيهم : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) الخ ، انتهى. قوله : (أَلَّا) (لكن) أشار المفسر إلى أن الاستثناء منقطع وإلى هذا ذهب جماعة ، وقيل : إن الاستثناء من عموم الأحوال ، والمعنى : ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء ، إلا لابتغاء مرضاة الله ، ويكون كتب بمعنى قضى. قوله : (فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) أي ما قاموا بها حق القيام ، بل غلوا في دينهم غير الحق ، وقالوا بالتثليث ، وكفروا بدين عيسى من قبل ظهور محمد. قوله : (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) (به) أي بنبينا ، وقوله : (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ) أي من هؤلاء الذين ابتدعوها وضيعوها. قوله : (فاسِقُونَ) أي لم يؤمنوا بنبينا ، بل داموا على الكفر ، والقول بالتثليث ، واقتدى بهم أمة من بعد أمة ، إلى نزول عيسى عليهالسلام فيمحوه ، وما مشى عليه المفسر خلاف ما تفيده رواية ابن عباس
![حاشية الصاوى على تفسير الجلالين [ ج ٤ ] حاشية الصاوى على تفسير الجلالين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4469_hashiyat-alsawi-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
